العدد الرابع

بين التراث والعدوان

يعود تاريخ النبطية إلى ما قبل الميلاد، من خلال اللقى الأثرية المتبقية التي عُثر عليها: من مغاور مدفنية ومعاصر الزيت والعنب، إلى النواويس وبعض النقوش ولوحات الفسيفساء والفخاريات التي تعود إلى العهود الفينيقية والرومانية والبيزنطية. وهذه اللقى ليست في النبطية فقط، بل في معظم القرى المحيطة بها، وحتى في جميع أنحاء جبل عامل.

تطورت الحياة الحضرية في النبطية ومحيطها اعتبارًا من العهد الصليبي الذي استقر بيننا من خلال بنائه لقلعة الشقيف القريبة، ووضع حامية عسكرية فيها.

والنبطية منطقة سهلية تحيط بها العديد من عيون الماء، وبموقعها هذا أصبحت ممرًا واستراحة وملتقى للقوافل نحو فلسطين والجولان، وفي المناطق الداخلية والساحلية في جبل عامل. بدأت تأخذ مكانتها من خلاله عمليات التبادل التجارية التي تحصل، وفي هذه النقطة نشأ “سوق الاثنين” الشهير والمعروف منذ العهد المملوكي في القرن الرابع عشر. ومع هذا الوضع بدأ تجمع حضري يستقر وينشأ في هذه البقعة، فظهرت النبطية واستقرت مع بداية القرن السادس عشر تقريبًا.

وفي آواخر القرن التاسع عشر، أي في نهاية العهد العثماني، أصبحت النبطية “ناحية” أي قائمقامية صغيرة، وعُين لها  مدير، رضا بك الصلح في العام 1883، أنشأ فيها مدرسة وأقام مجلسًا بلديًا لخدمة المواطنين وبنى السرايا، ومنها استمد الحي الأول في المدينة تسميته (حي السرايا) الحي الأقدم الذي يحيط به سور، وفيه العديد من الخانات لسكن الزوار العابرين والتجار الذين يأتون إلى “سوق الاثنين” عصر يوم الأحد من أماكن بعيدة.

حكمت النبطية الأسرة الصعبية، وكان مركزها قلعة الشقيف، في آواخر القرن الثامن عشر، قبل أن تنتقل إلى النبطية وتستمر في السلطة عبر سلالتها من بكوات آل الفضل الذين بنوا أول دارة على الطريقة الحديثة، يزينها قرميد وزخارف جميلة، ولكنها للأسف دُمرت من قبل الورثة والملاكين الجُدد.

مع بروز طبقة جديدة من التجار وأصحاب الرساميل من بلاد الاغتراب وغيرها في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، ظهرت مجموعة لا بأس بها من الأبنية الحجرية الجميلة مع القرميد والقناطر والزخارف المنوعة، لتتميز عن البيوت الأخرى البسيطة، المعروفة سابقًا، التي تتكون منها النبطية، وبدأت هذه البيوت الحديثة تظهر في أحياء جديدة كالميدان وحي البياض، بالإضافة إلى حي المسيحيين الذي سبقهما بالظهور.

مع العدوان الإسرائيلي على لبنان في آواخر أيلول 2024 والمستمر، تعرضت مدينة النبطية للعديد من الغارات التدميرية أجهزت على معالم عمرانية ذات قيمة اجتماعية وتراثية تتعلق بذاكرة المدينة وهويتها. كان الاعتداء الأول والأكبر على الوسط التجاري الذي يضم ملامح النبطية الاقتصادية والحياتية، ومبنى يعود إلى آواخر القرن التاسع عشر، مكوَّن من قناطر حجرية مصالبة، حيث كان يضم، سابقًا، في الطابق العلوي “لوكاندة زهرة الجنوب” أي أوتيل صغير لا يوجد غيره في المدينة، وتحته خمسة محلات تجارية، وكل محل عبارة عن قنطرة واحدة، وهو أنموذج من أبنية القرن التاسع عشر الأخيرة من هذا الطراز في المدينة، بالإضافة إلى مجموعة محلات تشرف على الساحة العامة، ويعود بناؤها إلى قرن مضى من الزمن. ومن الذاكرة الاجتماعية التي سوف نفتقدها في هذا المجمع التجاري مكتبة حجازي، وتقابلها مكتبة هاني الزين، وهما من أوائل مكتبات النبطية الثقافية وذكرياتها الجميلة. كما كان البناء يضم من الناحية الخلفية عيادة الدكتور علي جابر الذي أدخل فكر البعث إلى لبنان في خمسينيات القرن الماضي، ومحلات محي الدين للخردوات منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وهي مستمرة أبًا عن جد. ومن المحلات التجارية المعروفة حلويات الديماسي وفلافل الأرناؤوط. كما تضرر بشكل بالغ أول بناء أنشئ في ساحة النبطية في العام 1932 من قبل علي حسين صباح على الطراز الغربي، ويضم عيادة الدكتور علي بدر الدين.

إن الوسط التجاري في النبطية ليس عبارة عن كتلة اسمنتية أو حجارة نعيد بناءها من جديد، إنه شريان حياة النبطية وقلبها النابض، من هنا تبدأ نهارات الناس: العمال المياومون، باعة الخضار، سائقو التاكسي، الجزارون، التجار، وكل من يجري على الأرض.

من هنا تبدأ الحياة اليومية المتدفقة لمدينة النبطية والجوار، هذه الحياة التي تبدأ نهاراتها بفنجان قهوة في الساحة العامة وتتابع عملها بعد ذلك. هذا الوسط التجاري هو امتداد لـ”سوق الاثنين” الشعبي الذي سوف يفقد الكثير من ذكرياته ومزاياه بدمار هذا المربع الهام من المدينة مع ما يضم من محلات ومصالح، كأن زلزالًا كبيرًا أصابها، والدمار ما زال متراكمًا على هذا الوسط وحوله وعلى جميع نواحيه.

تتابعت الاعتداءات خلال شهري تشرين الأول والثاني، وأزالت العديد من البيوت التراثية القليلة المتبقية في المدينة، وكان أولها في حي الميدان منزل “سعيد شاهين” الذي أتم القرن من عمره هذا العام، فهذا المنزل أنجب النائبين والوزيرين الراحلين غالب وفهمي شاهين، وهو منزل لبناني بامتياز من حيث قناطره الجميلة وقرميده الأحمر وبركته المسدسة الزوايا التي تستقبلك على مدخل المنزل. وتتالت النكبات بعد عدة أسابيع، وفي الحي نفسه حيث جرى تدمير منزل قريبه النائب والوزير السابق الدكتور رفيق شاهين الذي بناه والده الحاج أمين في العام 1920. وهاذان المنزلان يختزلان الحياة الاجتماعية والسياسية الصاخبة التي ملأت النبطية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وفيهما ذكريات وأحداث جرت بين جدرانهما وخلف أبوابهما، فبزوالهما زال جانب كبير من ذاكرة المدينة وتاريخها. ومن المفيد ذكره، أنه تم الإعلان في منزل رفيق شاهين عن الحزب السوري القومي الاجتماعي في النبطية، بحضور الأستاذ الكبير غسان تويني وحشد كبير من المنتسبين.

كما أصيب منزل تراثي آخر هو منزل قاسم ظاهر الذي يعود تاريخه إلى مطلع القرن الماضي، وهذا المنزل كان لفترة طويلة فرعًا للمجلس الثقافي للبنان الجنوبي، حيث جرت تحت قرميده العشرات بل المئات من الندوات الفكرية والثقافية والسياسية، والمعارض وحفلات التكريم لكتّاب وأدباء ومناضلين حيث شكل منارة فكرية في جبل عامل على مدى ربع قرن من الزمن. وكان المنزل قيد الترميم من قبل الحفيد كامل ظاهر، بعد أن أصيب بأضرار بالغة جراء الغارة التي تعرض لها منزل النائب رفيق شاهين الملاصق له.

بالإضافة إلى تضرر منزل النائب والوزير السابق محمد بك الفضل – وهو أحد رجالات الاستقلال – الذي أصيب بأضرار جسيمة، وهو من البيوت التراثية النادرة حيث كان ما يزال محافظًا على جماله، ويعود بناؤه إلى العام 1934.

ولا ننسى بناية آل الصباح في الوسط التجاري التي أصيبت بأضرار بالغة، وهي تعود إلى حقبة الثلاثينيات من القرن الماضي، وكانت تضم قديمًا دارًا للسينما، ومكتبة القسيس العامة، واستديو أيوب للتصوير، بالإضافة إلى مركز الأمن العام الفرنسي، حيث جرت أمامه تظاهرة ضد الانتداب الفرنسي مطالبة بإطلاق رجال الاستقلال في العام 1943 بعد أن أنزل العلم الفرنسي عن المبنى وأحرق؛ وإلى جوارها ضريح العالم حسن كامل الصباح الذي أصيب بأضرار بالغة.

ومن المنازل التراثية الجميلة والتي زالت وأصبحت أثرًا بعد عين، بفعل العدوان المستمر على النبطية، منزل حبيب موسى الرضي في الشارع الرئيس للمدينة، ويعود تاريخه إلى أربعينيات القرن الماضي والعديد من المنازل القديمة في حي السراي، منها منزل آل خريزات، ومنزل الشيخ عبد الرسول عاصي، ومنزل الأديب الشيخ حسن صادق الذي يختزن ذكريات النبطية الاجتماعية والعاشورائية…

  العدوان مستمر وإسرائيل تحاول تدمير ذاكرتنا وتاريخنا وتراثنا بإجرامها غير المسبوق، علينا الصمود، فالمعركة قاسية والأثمان باهظة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى