في زمن الحرب
في زمن الحرب والنزاعات، تغدو أصوات المدافع الصاخبة والطلقات المدوية هي الإيقاع السائد، فتصبح حياتنا اليومية متعلقة بالحرب مباشرة. ولكنها لا تستطيع أن تطفئ نار الإبداع، ولا أن توقف أقلام الشعراء والكتاب، ولا أن تخمد صوت الفن الذي ينبض بروح الشعب ويقف جسرًا بين الألم والأمل. لهذا كانت انطلاقتنا في مجلة “البعد الخامس” تحديًا وصوتًا ثقافيًا وفكريًا، يسعى لأن يكون ملاذًا للمعرفة وجسرًا للتواصل وسط ضجيج العالم، فالفن في أزمنة الحروب يصبح مرآة للألم وصرخة للحرية. وهذا ما نجده في لوحة “غيرنيكا” لـ”بابلو بيكاسو” التي رسمها في خضم الحرب الأهلية الإسبانية في العام 1937، لتجسد صرخات المعاناة وآثار الدمار. هذه اللوحة الشهيرة لم تكن مجرد عمل فني، بل كانت تجسيدًا لحالة الألم الجماعية، وعبرت عن بشاعة الحرب ورفضها بعمق إنساني مؤلم. ولا يقف الإبداع عند حدود اللوحات، بل يمتد إلى الصوت والموسيقى، حيث نجد في تاريخنا العربي أمثلة كثيرة لا تُنسى. فيروز التي غنت بصوتها الملائكي للقدس ولبيروت والشام، ولمصر أم الدنيا، كما غنت للثورة الجزائرية سنة 1962 وللمناضلة جميلة بوحيرد. أم كلثوم هذه القامة الكبيرة، تردد صوتها بأغنيات تنبض بالعزيمة وحب الوطن، كأغنيتها “أصبح عندي الآن بندقية” كذلك عبد الحليم حافظ الذي كان يغني من القلب في زمن الحروب، معبرًا عن كفاح الشعب وآماله، حيث انتشرت أغنياته لتصبح رمزًا للصمود والتضحية، حتى أغنيته الشهيرة “أحلف بسماها وبترابها” أصبحت نشيدًا يتردد في جميع المناسبات الوطنية. في لبنان صدحت أصوات مارسيل خليفة وأحمد قعبور وسامي حواط دعمًا لصمود أهلنا في الجنوب، كما غنت جوليا بطرس للجنوب أغنيتها الشهيرة “غابت شمس الحق”، ولا ننسى أيضًا أحمد فؤاد نجم أو عمي أحمد كما يحلو لمحبيه تسميته، كان شاعرًا شعبيًا ذا قلم جريء وحاد ضد الظلم. ولعل شراكته مع الشيخ إمام كانت من أروع وأصدق ما قدمه الأدب والغناء العربي في سبيل النضال. هذا الثنائي الفريد جمع بين قوة الكلمات للعم أحمد وعذوبة وغضب لحن الشيخ إمام.
“البعد الخامس” هو اسم مجلتنا، لكنه أيضًا يُعبر عن بُعد آخر من أبعاد الروح الإنسانية التي تتجاوز الألم وتنتصر للحياة.
هذا هو صوتنا، صوت الفن والثقافة والفكر الذي سيظل خالدًا على الرغم من قسوة الظروف.




