العدد الثالث عشر

صديقي الله: براءة الطفولة حين تصير حكمة أبدية

هل يمكن لطفلٍ في الثانية عشرة من عمره أن يكتب نصوصًا شعرية تتجاوز وعي الكبار، وتخاطب الله ببراءة وجرأة في آن واحد؟ وهل يمكن لصوتٍ صغير أن يفتح أمامنا أبوابًا من الدهشة، وأن يزرع فينا أسئلة عن الوجود والإنسان والطفولة؟ هذه التساؤلات تفرض نفسها أمام ديوان “صديقي الله” لزياد الرحباني، الذي دوّنه بين الأعوام 1968 و1976، أي في عمر مبكر جدًا، ليترك إرثًا شعريًا نادرًا في طرافته وعميقًا في أثره، وكأنه شهادة على روح طفلٍ لم يعرف أن الطفولة قد تحدّ من طموح الكلمة أو من صدقها.

من هو زياد الرحباني، ذلك الطفل العبقري الذي كتب، وهو في الثانية عشرة، عن الله، وعن الأم، وعن الأشياء الصغيرة والكبيرة في الحياة، كأنه رجل خبر التجارب وعاين المآسي؟ كيف استطاع هذا الطفل، ابن فيروز وعاصي الرحباني، أن يتحرر من ثقل الأسماء العائلية ليكتب نصًا يخصه وحده، نصًا يحمل صوته وصورته عن الله والعالم؟ أهي الموهبة وحدها التي منحته هذه القدرة، أم البيئة الفنية التي نشأ فيها، أم ذاك الحزن المبكر والوعي العاطفي الحاد الذي جعله يرى ما لا يراه أقرانه؟

الديوان، في جوهره، بناء متماسك يجمع بين لغة بسيطة وصور شعرية تنفذ مباشرة إلى القلب، وليس مجرد محاولات طفولية عابرة. في قصائده نلمح طفلًا يتحدث إلى الله كصديقٍ حيّ: يسأله عن حضوره وغيابه، يخشى ابتعاده، يعتب عليه، ويتحدّاه بالخطايا، ثم يذوب في محبته. هذه العلاقة العفوية بالله بعيدة كل البعد عن الصور الكلاسيكية للصلاة والعبادة؛ فهي أقرب إلى مكاشفة وجدانية أو لعبة روحية، فيها صدق نادر لا يتوافر أحيانًا لدى الكبار الذين يتكلفون القول أو يخشون البوح.

زياد، في نصوصه، يتعامل مع الله كرفيقٍ قريب يلهو في الأحراج، يسكن النفس، ويأتي في الليل ليحادثه؛ لا كإله بعيد من العين والقلب. هذا التصور الطفولي يمنح النصوص سحرها الخاص، لأنه يزاوج بين براءة الأسئلة وقسوة الواقع. نقرأ في أحد النصوص: “ألا جئتَ يا الله؟ تأتي في الليل وتذهب قبل الصباح. ألا جئتَ نسهر؟” هنا يتحوّل الله إلى صديقٍ يسهر معه في العتمة، يرافقه في وحدته، ويملأ فراغ الأيام القاسية.

هذا البعد النفسي في الديوان يعكس حاجة الطفل إلى الأمان والرفقة. ففي زمنٍ كان زياد يعيش فيه اضطرابات الحرب الأهلية اللبنانية، بدا طبيعيًا أن يبحث عن ملجأ يتجاوز صخب الحرب ودمارها. لم يكن الله بالنسبة إليه فكرة لاهوتية معقدة، بل كان مساحة حنان ودفء وحضور. ومن هنا نفهم لماذا صاغ حواره معه بتلك اللغة التي تجمع بين البراءة والجرأة في آنٍ واحد.

إن “صديقي الله”مرآة تكشف أن الطفولة، حين تُمنح حرية التعبير، قد تفتح أبوابًا من الحكمة لا يبلغها الكبار. فقد خاطب زياد الله بصدق ناصع، بلا وسائط ولا خوف، كصديق يجلس إلى جانبه في الليل ليؤنس وحدته. هذه البساطة الصافية تحمل درسًا عميقًا: إن أقرب الصلوات إلى القلب ليست تلك التي تُتلى بلغة معقدة أو ضمن طقوس جامدة، بل تلك التي تنبع من صدق المشاعر. ولعل قوة هذه النصوص أنها تضعنا أمام سؤال وجودي قاسٍ: لماذا نفقد، نحن الكبار، جرأة مخاطبة الله كما يخاطبه طفل؟ لماذا نغطي خوفنا بأقنعة اللغة ونترك قلوبنا أسيرة الرهبة؟

ومن اللافت أيضًا أن زياد كتب عن أمه بحساسية مؤثرة. في قصائد “أمي” يطلّ الحنان والارتباط العاطفي العميق. فالطفل يرى في أمه الحماية والعالم والبيت والدفء. في إحدى القصائد يصف ذهابه إلى المدرسة كأنه سفر بعيد، وعودته إلى أمه كأنها رجوع من غربة طويلة، حتى البيت نفسه يغني فرحًا بعودته. وفي قصائد أخرى يرسم أمه وهي تحفظ رسوماته القديمة، وكأنه يلمّح إلى أن الأم تحفظ ذاكرة الطفل، تحفظ براءته وصورته الأولى قبل أن تذيبها قسوة العالم.

هذا التوازي بين مخاطبة الله ومخاطبة الأم يكشف جانبًا نفسيًا مهمًا؛ فالأم والله في وعي الطفل يتحوّلان إلى رمزين للحماية والأمان. الأم قريبة بملامحها اليومية، والله قريب بلغة الشعر وفضاء المخيلة. كلاهما يحتضن الطفل من خوفه ويؤكد له أن العالم ليس فراغًا مطلقًا.

أما في قسم “تأملات”، فنجد وعيًا فلسفيًا مبكرًا على نحو يثير الدهشة. الطفل يتحدث عن الأشياء القديمة في البيت، وعن ارتباطنا العاطفي بما لا نستخدمه، وكأن الأشياء نفسها تملك أرواحًا تحزن لفراق أصحابها. هنا يتجاوز زياد سنه ليطرح أسئلة عن قيمة الأشياء وعن علاقتنا بها. وفي نص آخر يتحدث عن الأطفال المشردين الذين يرسمون مدافع وجنودًا بدلًا من الأشجار والزهور، فيكشف كيف يخترق العنف والدمار براءة الطفولة ويشوّه صورها. هذا النص وحده يكفي ليدلّ على عمق وعيه الاجتماعي والسياسي وهو بعدُ طفل صغير.

قصائد زياد تحمل جمالًا خاصًا، لأنها بسيطة في لغتها، عميقة في معناها. الصور التي يستخدمها مأخوذة من الحياة اليومية: شجرة، بيت، أم، مدرسة، مطر… لكنها تكتسب من خلال عينيه بعدًا آخر. البيت يتحول إلى حضن، المدرسة إلى غربة، المطر إلى بكاء، والشجرة إلى صديق. هذه القدرة على تحويل المألوف إلى رمزي، وعلى رؤية البسيط بعين مختلفة، هي ما يمنح هذه النصوص قيمتها الفنية والنفسية.

ومن الناحية النفسية، يمكن أن نفهم هذه الكتابة بوصفها وسيلة للتعبير عن قلق داخلي وخوف من الفقدان والعزلة. فالطفل الذي يخاطب الله قائلًا: “أخاف أن تهرب ثانية يا الله”، يكشف عن خوف حقيقي من الغياب، من فقدان الأمان. والطفل الذي يصف المدرسة بالسفر والبعد عن أمه، يعبّر عن قلق الانفصال. كل هذه النصوص محاولات لتثبيت الذات أمام عالم مضطرب، ولإيجاد لغة خاصة تحميه من الخوف.

أما من الناحية الاجتماعية، فهذه النصوص تمثل شهادة على جيل عاش في قلب الاضطرابات السياسية والحروب. زياد الطفل كان شاهدًا على انقسامات لبنان، على بدايات الحرب الأهلية، على فقدان الأمان. لذلك جاءت نصوصه محمّلة بالأسى والوعي المبكر، لكنها لم تفقد براءتها، لأنها ما زالت تنظر إلى العالم بعيون طفولة ترفض الاستسلام الكامل للظلام.

وأجمل ما في هذه النصوص أنها لا تنغلق على حزنها، بل تحاول أن تفتح نافذة للفرح. فالطفل يقول: “إن لم أكن فرحًا لا أستطيع أن أصلي”، وكأن الفرح شرط للحوار مع الله. كأن الصلاة لا تكون بالواجبات الجافة بل بالبهجة الداخلية. هنا تظهر رؤية مختلفة تعطي للصلاة معنى حياتيًا، بعيدًا من الطقوس، أقرب إلى اللعب والحب. هذه الرؤية تعلمنا أن الإيمان ليس رهبة، بل فرح، وأن الصلاة يمكن أن تكون رقصة حب أو ضحكة طفل، وليست مجرد واجب ثقيل. في هذه اللحظة ندرك أن الطفولة، على الرغم من قسوة الحروب التي تحاصرها، قادرة على أن تضيء عتمة الواقع بكلمات صغيرة لكنها حقيقية.

زياد الرحباني في “صديقي الله” لا يقدّم نفسه كطفل معجزة بقدر ما يكشف عن براءة الطفولة حين تترك لنفسها حرية التعبير. في نصوصه نلمح أثر الأم التي تحضن وتعلّم، وأثر البيئة الفنية التي تمنح لغةً وإيقاعًا، وأثر الحرب التي تسرق الطفولة وتمنحها وعيًا مبكرًا. كل هذه العناصر اجتمعت لتنتج نصوصًا تتجاوز عمر كاتبها، لكنها لا تفقد أبدًا صدق ذلك العمر.

حين نقرأ هذه المجموعة، نشعر أنها ليست مجرد محاولة أدبية لطفل موهوب، بل وثيقة نفسية وإنسانية تكشف كيف يرى الطفلُ العالم، وكيف يخاطب الله، وكيف يواجه الحياة بالكلمة. هذه النصوص، بعد عقود، ما زالت تحمل الدهشة نفسها، لأننا ندرك ونحن نقرأها أن الطفل الذي كتبها كان يكتب بروح لم تُقَيَّد بعدُ بتعقيدات الكبار؛ بروح ترى في الله صديقًا، وفي الأم وطنًا، وفي الأشياء البسيطة أسرارًا عميقة.

فهل يمكن للكبار أن يتعلموا من طفل كيف يخاطبون الله بلا خوف؟ كيف يحوّلون الصلاة إلى صرخة حب وفرح؟ وهل يمكن أن نستعيد براءة النظر إلى الأشياء كما رآها زياد الرحباني في طفولته؟ أسئلة تبقى مفتوحة ونحن نودّع زياد الذي رحل قبل أسابيع، تاركًا وراءه إرثًا موسيقيًا وأدبيًا وإنسانيًا لا يشبه أحدًا.

سلامٌ عليك يا زياد في العالمين.

تغريد بو مرعي

لبنان - البرازيل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى