العدد التاسع عشر

أأنا ابنةُ صوتِكِ يا فيروز، أم أن صوتَكِ هو الذي تبنّاني؟

منذ طفولتي الأولى، كانتِ فيروز ترافق صباحاتي وأمسياتي وكل أوقاتي. لم تكن مجرّد مطربةٍ لبنانيةٍ عالمية، كانت نَفَساً يومياً يملأ البيوت والشوارع والقلوب. أينما ذهبتُ كنت أرى الناس يستمعون إليها عبر الراديو والتلفزيون، في المقاهي والمطاعم، في الدكاكين الصغيرة، وفي الباص الذي كان يقلّني إلى المدرسة. كانت المدينة تستيقظ على صوتها كما لو أن الشمس لا تشرق إلا حين تقول هي: “صباح الخير”. كنت أشعر أن العالم، مهما اتّسع، يلتقي عند حنجرتها.

كانت أغانيها تقرّبني منها أكثر فأكثر، فأحببتها وأحببتها حتى صارت أغانيها مزروعة في روحي، تسري في دمي، وتهمس في أذني كصديقةٍ لا تخون. تملّكني ذلك الصوت الشفاف، ذلك الصفاء الذي يشبه صلاةً خفيفة فوق تلال لبنان. صرت أغنّي أغنياتها، دون أن أشعر أنني أقلّدها، كأن صوتي يخرج من مرآتها. وذات يوم، وأنا أرتّل إحدى أغنياتها في غرفتي الصغيرة، تنبّهتُ إلى أن في صوتي شيئاً يشبه صوتها، ذلك الامتداد الرقيق في الطبقات العالية، ذلك الحنين الذي ينساب دون تكلّف. كان الاكتشاف أشبه بولادةٍ جديدة.

في المدرسة، صرت أغنّي في المناسبات، في الاحتفالات الصباحية، وحتى في وقت الاستراحة، حين ننزل لنأكل ونلعب قليلاً. كان الجميع يحلّق حولي ليستمعوا إليّ وإلى أغنيات فيروز. لم يكونوا يصفّقون لي وحدي، كانوا يصفّقون لذلك الضوء الذي حملته من صوتها. كنت أشعر أنني أحمل لبنان في حنجرتي الصغيرة، وأنني أوزّع على أصدقائي شيئاً من دفء البيوت الجبلية، من رائحة القهوة، من أجراس الكنائس وصدى الأذان، من شرفاتٍ تطلّ على غيمة.

كبرتُ، وكبر معي هذا الحب. وحين دخلتُ الرابعة عشرة، انضممتُ إلى فرقةٍ موسيقية في بلدتي. هناك، صرت أغنّي أغنيات فيروز وأغنيات مارسيل خليفة، أتنقّل بين القصيدة واللحن كما لو أنني أعبر جسراً من الضوء. كانت المسرحيات الصغيرة التي نقدّمها في المناسبات الوطنية والأعياد أشبه بعرسٍ روحي. كلما وقفتُ على المسرح، وغنّيتُ “بحبك يا لبنان” أو “نسم علينا الهوى”، كنت أشعر أنني أرتفع فوق الخشبة، أنني أقترب خطوةً من تلك القامة الشامخة التي اسمها فيروز.

ذلك الحب بيني وبين أغنيات فيروز كان يكبر يوماً بعد يوم حتى تجذّر فيّ. صار جزءاً من تكويني، من ذاكرتي، من طريقة نطقي للكلمات. وحتى الآن، وأنا في سنوات النضج، ما زلت أدندن أغنياتها وأنا أعمل، أطبخ، أسير في الشارع، وحين أقوم برياضة المشي. أغنياتها رفيقتي الدائمة، وصورة فيروز لا تفارق خيالي. أجدني أتمتم “بعدك على بالي” كأنني أخاطب وطناً، أو أقول “ما حدا نطرني” كأنني أعاتب الغربة. وحين يشتدّ الحنين، أعود إلى أغنيات الوطن والأهل، إلى “رجعت الشتوية” و“بيتي أنا بيتك” و“يا جبل اللي بعيد”، فأشعر أن قلبي يفتح نوافذه دفعةً واحدة.

أنا التي فارقتُ وطني باكراً وعشتُ الغربة لسنواتٍ طوال وما زلت، كانت فيروز وأغنياتها بلسم الروح. كلما عنّ الوطن والأهل على البال، أقف أمام نافذتي، أرقب الغيوم، الشمس والقمر، الأزهار والورود، وأدندن “وطني يا جبل الغيم الأزرق”. أمدّ يدي إلى السماء كأنني ألمس أرز لبنان، كأنني أسمع خطى أمي في المطبخ، وضحكة إخوتي في الباحة. في تلك اللحظات، لا أكون وحدي. تكون فيروز معي، بصوتها الذي يشبه صلاة أمٍّ على باب بيتها تنتظر عودة أولادها.

حين أتأمّل شخصية فيروز، أراها أكثر من مطربة. أراها أمّاً للحنين، أمّاً للبيوت التي هُجّرت، أمّاً للمدن التي تعبت. فيروز الأرز، فيروز الشموخ، تلك التي وقفت على أكبر المسارح العالمية، وبقيت تحمل في صوتها بساطة القرية. لم تبتعد عن جذورها، لم تتخلَّ عن لهجتها، لم تساوم على هويتها. كانت تغنّي للبنان كما لو أنه طفلها الأول، تحمله بين ذراعيها، وتقدّمه للعالم بفخر.

في حضورها شيء من القداسة الهادئة. لا تحتاج إلى ضجيج كي تملأ المكان. يكفي أن تقول كلمة واحدة حتى يسكن الصخب. عيناها تحملان سرّاً من أسرار الجبال، وابتسامتها الخفيفة تشبه غيمةً تمرّ فوق سهلٍ عطشان. حين تغنّي للأم، نشعر أن كل أمّ في العالم تبتسم. حين تغنّي للحبيب، نشعر أن الحبّ نفسه يصغي. وحين تغنّي للوطن، يتحوّل الوطن إلى صلاةٍ جماعية.

أحياناً أتخيّلها جالسةً في بيتها، تحضّر فنجان قهوة، تنظر من نافذة تطلّ على شجرة أرز، وتفكّر في كل أولئك الذين يعيشون على صوتها. هل تدري كم من مغتربٍ احتمى بأغنياتها من برد الغربة؟ هل تدري كم من طفلٍ وجد في صوتها. أمّاً ثانية؟ هل تدري أنني أنا، في أقاصي البرازيل، كنت أبحث عنها في الأثير كلما ضاقت بي الأرض؟

لقد صنعت فيروز ذاكرةً جماعية لا تخصّ جيلاً واحداً. أجيالٌ كاملة تربّت على “كان عنا طاحون”، على “زهرة المدائن”، على “سنرجع يوماً”. هذه الأخيرة كانت تؤلمني وتواسيني في آن. “سنرجع يوماً إلى حيّنا”، كم رددتها وأنا أحدّق في صور قريتي، كم بكيتُ على كتفها غير المرئي. كانت تعدني بالعودة، حتى حين كانت العودة حلماً بعيداً. كانت تقول لي إن الطريق، مهما طال، يقود إلى البيت.

لم يكن صوتها مجرد نغمٍ جميل. كان موقفاً، كان انتماءً، كان هوية. في زمن الانقسامات والحروب، ظلّت هي مساحةً مشتركة يلتقي عندها الجميع. صوتها كان جسر عبور بين الطوائف والمناطق، بين الماضي والحاضر، بين الداخل والمنفى. وحين كنت أغنّي أغنياتها في بلدتي، كنت أشعر أنني أشارك في بناء ذلك الجسر، أنني أضيف حجراً صغيراً إلى صرحٍ كبير.

اليوم، وأنا أستعيد كل تلك السنوات، أتساءل: ماذا كنت سأكون لو لم ترافقني فيروز؟ هل كنت سأكتشف صوتي؟ هل كنت سأقف على المسرح بثقة؟ هل كنت سأحتمل الغربة دون ذلك الخيط الرفيع الذي يربطني بالوطن؟ أشعر أحياناً أن حياتي انقسمت إلى فصلين: فصلٌ قبل أن أعي معنى صوتها، وفصلٌ بعد أن صار جزءاً مني.

لقد علّمتني فيروز أن الفن يمكن أن يكون نقياً كالماء، عميقاً كالبحر، بسيطاً كخبز الصباح. علّمتني أن الحنين ليس ضعفاً، وأن البكاء على الوطن فعل حب. علّمتني أن المرأة تستطيع أن تكون شامخةً وهادئة في آن، أن تكون قوية دون صراخ، وأن تفرض حضورها دون استعراض.

وحين أقف الآن أمام نافذتي في الغربة، وأغنّي “بحبك يا لبنان”، أشعر أنني أخاطبها هي أيضاً. كأنني أقول لها: بحبك يا فيروز، يا من جعلتِ لبنان أكبر من جغرافيته، وأوسع من حدوده. يا من سكبتِ في صوتكِ تعب الأمهات وأحلام العشاق ودموع المغتربين.

فهل تسمعينني يا فيروز، وأنا أردّد أغنياتكِ في مطبخي الصغير؟ هل يصل إليكِ صدًى من تلك الطفلة التي كانت تغنّي في ساحة المدرسة، ويحلق حولها زملاءها؟ هل تشعرين أن جزءاً من صوتكِ يعيش في حناجرنا نحن الذين كبرنا على نغمكِ؟ أم أنني أنا التي أعيش في ظلكِ، أبحث عن ملامحي في مرآة أغنياتكِ؟

ربما لن أعرف الجواب. وربما يكفيني أنني كلما ضاقت بي الأيام، أجد في صوتكِ فسحةً للضوء. يكفيني أنني حين أقول “سنرجع يوماً”، أصدّق أن العودة ممكنة، ولو كانت عودةً في الذاكرة. يكفيني أنني حين أغنّي “بعدك على بالي”، أشعر أن الوطن ما زال على بالي، وأنه لم يغادرني.

يا فيروز، يا أمّ الحنين، يا شجرة الأرز التي لا تنحني، سأبقى أغنّي لكِ ما حييت. سأبقى تلك الطفلة التي اكتشفت صوتها في ظلكِ، وتعلّمت أن الفنّ رسالة، وأن الغناء صلاة، وأن الوطن يسكن في حنجرة امرأة اسمها فيروز.

تغريد بو مرعي

لبنان - البرازيل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى