زياد الرحباني: موسيقى السياسة كجهاز للخطاب
ليس زياد الرحباني مجرّد موسيقي أو كاتب مسرحي، بل هو فاعل داخل شبكة معقّدة من الخطابات التي شكّلت لبنان ما بعد الحرب. فالاستماع إلى موسيقاه لا يعني الاكتفاء بلحن أو كلمات، بل الدخول في حقل من القوى؛ حيث تتحوّل النغمة إلى أداة، واللغة إلى ساحة صراع، والضحك إلى ممارسة سياسية. هنا لا يعود الفنّ مجرّد زخرفة اجتماعية كما عند الرحابنة الأوائل، بل يصبح ممارسة انضباطيّة – تفكيكيّة تضع المجتمع أمام صورته العارية: الطائفيّة، الفقر، العلاقات اليوميّة، السلطة، الحرب.
المسرح كفضاء للسلطة
فيما اشتغل مسرح الرحابنة كجهاز أسطوري يعيد إنتاج هوية وطنية متخيَّلة، عمل مسرح زياد كجهاز معاكس: فضاء للتفكيك والتعرية. الأصوات واللهجات المتعددة ــ من الفقير البذيء إلى البرجوازي المتكلّف، من المراهق الذي يخلط لغات العالم إلى المرأة المقهورة ــ كلّها شكّلت أرشيفًا للخطاب اللبناني في زمن الانقسام. لم يكن تعدّد اللهجات عنده زينة مسرحية، بل انبثاقًا لآليات السلطة الاجتماعية وهي تعمل في اللغة نفسها. اللغة لم تعد أداة تواصل، بل حلبة تظهر فيها علاقات القوّة المتشظية في جسد الحرب.
الأغنية السياسية: انبثاق السلطة في اليومي
إذا كانت الأغنية السياسية عند عمر الزعني خطابًا مباشرًا، فإن “زياد” منحها تركيبًا أعقد: بنية موسيقية تتكثّف فيها السلطة وتنكشف من داخلها. فأغنية “أنا مش كافر” ليست مجرّد شعار، بل جهاز اعتراف جماعي يفضح العلاقة بين الفرد ومؤسّسات الانتماء. هنا، السياسي لا ينفصل عن الخاص: الحبّ والخبز والدين والطائفية تتداخل لتشكّل شبكة قوى واحدة. الأغنية في هذا المعنى ليست تعبيرًا عن موقف، بل ممارسة تُنتج الذوات وتعيد تشكيلها.
الاحتراف كسلطة مضادّة
دخل زياد الحقل الفني بصفته محترفًا كاملًا، في زمنٍ طغت فيه الهواية على الأغنية السياسية. وهذا الاحتراف لم يكن تقنيًا فحسب، بل ممارسةً للسلطة داخل الحقل الموسيقي: سلطة تعيد تعريف ما هو شرعي وما هو مبتذل، ما هو فن وما هو دعاية. لذلك تحوّلت أعماله إلى علامات متداولة بين قوى متناقضة: أغنية واحدة قد تُرفع في صفوف اليسار ثم تُستعار في جنازة زعيم يميني. هنا تتجلّى مفارقة السلطة: الخطاب لا يملك صاحبه، بل ينزلق عبر الحقول المختلفة محمولًا على ألسنة أولئك الذين أراد زياد فضحهم أصلًا.
الواقعي كصدمة
لم ينتظر زياد “هضم” الحرب كما فعل فنانون آخرون، بل نزل مباشرةً إلى قلب الصدمة. مسرحياته كانت أشبه بالرصاص في سرعتها، تكشف أن الخطاب السياسي لا يملك ترف الزمن الطويل. المباشرة عنده ليست سطحية، بل شكل من أشكال السلطة المضادّة: حين يصرخ المجتمع، لا حاجة إلى البلاغة. بهذا المعنى مارس زياد ما يمكن تسميته “الباريسيا” (قول الحقيقة)، حيث تُقال الكلمات في وقتها بلا مواربة، حتى لو أدّت إلى فضيحة.
السخرية كتقنية للسلطة
لم تكن السخرية عند زياد ترفًا، بل تقنية مقاومة داخل الحقل الخطابي. فهي تكسر المألوف وتفضح آلياته. لم تكن ضد السياسة، بل سياسة مضادّة. حين يضحك المتفرّج، فإنّه يقرّ ضمنيًا بأنه جزء من البنية التي يُتهكّم عليها. الضحك هنا ليس خفّة، بل انخراط في اقتصاد السلطة والخطاب.
فيروز كأداة رمزيّة
صوت فيروز، الذي كان يومًا جهازًا وطنيًّا يكرّس صورة “الأمّة”، أدخله زياد في شبكة جديدة: غنّى من خلاله الاحتجاج والسخرية واليأس. بهذا الفعل فكّك “الهالة” الرحبانيّة، وحوّل الصوت الأيقوني إلى ساحة صراع. لم يعد صوتها مجرّد رمز للوحدة، بل صار علامة مفخّخة تُستعمل لتفكيك ما كان يُظنّ أنّه مقدّس.
خاتمة
زياد الرحباني ليس موسيقيًّا بالمعنى التقليدي، بل هو صانع خطابات. موسيقاه، مسرحه، سخريته، كلّها أجهزة تنتج معرفة بالواقع اللبناني، وتكشف آليّات السلطة فيه. السياسي عنده لا يُضاف إلى الموسيقي، بل يتخلّله ويتجسّد في إيقاعه. ومن هنا يمكن القول إنّ “زياد” هو “أركيولوجي” لحياتنا اليوميّة: يحفر في اللغة، في النغمة، في الضحك، ليكشف كيف تعمل السلطة في تفاصيل المعيش. إنّه يكتب موسيقى السياسة لا كشعارات، بل كأشكال للوجود وسط نظام يفتك بالأجساد والعلاقات.





