زياد الرحباني “قتل” أهله استقلالًا…
و”قتل” نفسه احترازًا من الموت!
رحل زياد الرحباني. كأنما الغضب السماوي وقع على لبنان واللبنانيين، فهبّوا يبكون أو يتألمون أو يكتبون أو يتذكرون أنه كان عظيمًا، ولكن!… لكنّه، في السياسة، كان ضدّهم، فيتراجعون عن إعجابهم به. أمّا الذين وافقهم في السياسة، فقد خرقوا المحظورات الشرعية “الفنية” وكلّلوه بالغار. فكان فقدانه خسارة شخصية لدى معظم الناس.
فالرجوع إلى زياد، مفيد. ليس كثيرًا إلى الوراء، بل إلى عامين فحسب (٢٠٢٣) حيث كان كلّ شيء حوله على ما يُرام، على الأقل “على ما يُرام” من بعيد مكانيًا.
تلك لحظة كانت تتجمع فيها كل لحظات عمر زياد الرحباني: الماضي، والحاضر، والمستقبل الذي خدع الكل.
نكتب:
زياد الرحباني اليوم، عام ٢٠٢٣، رجلٌ آخر، وفنان آخر، والمهم رحباني آخر. يُقال، والراوي الصادق يجزم، أنه تبدّل وتغيّر واختبر بنفسه الوحدة القاسية، والعذاب كما لم يقاسِه إنسان. ما يقارب العشرين عامًا من المراجعة القاتلة، وتقليب الدفاتر الشخصية والاجتماعية والصحية والفنية، وما تعلّمه في زمن الصمت والابتعاد والعزلة أكبر بكثير مما تعلّمه في زمن الأضواء والمسرح والحفلات.
ليس هيّنًا على شخص بإمكانات زياد الرحباني، وطاقاته الفنية العميقة والمتفرعة غصونًا وظلالًا، أن يجد نفسه عازفًا على البيانو في «نايت كلوب» صغير ومغمور في مدينة دبي. لا الذين رأوه هناك صدّقوا، ولا الذين رويت لهم الحكاية صدّقوا، ولا الذين التقطوا له صورًا هناك صدّقوا. مَن ذا يصدّق أن زياد الرحباني، الذي عمل على ترسيخ استقلاله المعنوي والشخصي والفني حتى بلغ حدّ صناعة مستحيل فنّي جميل. يومًا ما، «سيُعيده» الناس المحبّون إلى «أحضان معنوية» لأب عبقري وأم عبقرية، متعجّبين كيف وصلت به المواصيل إلى هنا؟
أكثر… أكثر، قيل إن ثروة فيروز، والدة زياد، كبيرة، إذ هي ثروة من فنّ نظيف، وهي أكثر سطوعًا من شمس الظهيرة، فهل امتنعت الأم عن رفد ابنها بما يمنع عنه عوز العمل كعازف في «نايت كلوب»؟ أُخرج زياد من حاله، ورفض تلقي الإعانة، ولو كانت والدية، فألحقوه بأبيه وأمّه لعلّهم يجدون تفسيرًا معقولًا أو مقبولًا لواقعه المخلخل، الذي لا يرضى به «ابن» لأي نكرة في الحياة الفنية، فكيف بابنٍ لعاصي وفيروز! ولم يستطع أحد أن يجد جوابًا. فالجواب عند زياد الذي يحتجب، ويقال، هذه المرة، إن الاحتجاب في منزل والديه في الرابية.
قرر زياد أن يبدأ مرحلة العودة الطوعية إلى ذاته المُشلَّعة، عبر الصحة. صحة زياد كانت مضروبة بقنابل وشظايا الظروف والوقائع الفتاكة، وأراد أن يسترجعها. هي نفسها الصحّة التي هدرها أكلًا وشرابًا وسهرًا ومجونًا وعبثًا، عاد يعاملها بالروية التي تقتضيها، وقد رأى الموت في عينيه.
جمهور زياد ينتظره، وزياد غائب. مراجعة المواقف تتطلب ذلك. لا أحد يدري ماذا كتب، ولا ماذا لحّن، ولا ماذا فكّر خلال هذه المدة. ربما لم يفعل شيئًا. كل ما أمسكه زياد بيديه خلال حياته فقده تمامًا كأنه لم يملكه يومًا: من المرأة والزوجة، إلى ابنٍ ليس من صُلبه، إلى الشخصية الفنية، إلى الموسيقى، إلى العائلة!
ولعلّ الساعات التي أمضاها أمام كرسي شقيقه «هَلي» المقعَد كانت تعويضًا له عن غيابه عنه، ذلك أنه في الوقت الفائت، وهو بالعقود، لم يجد زياد وقتًا ليلقي عليه تحية. لا أعرف أصلًا ما إذا كان «هَلي» يفهم التحية أو يردّ عليها؛ لأن إعاقته صعبة ومؤلمة وتُعتِم القلب. لكن زياد الراجع بعد «سفر» معطوف على إقامة محلية – بلدية جهنمية طويلة، يشعر أن «هَلي» درس قاسٍ ومرير وخطير في الحياة، وأن العائلة تبدأ به كنقص دهري في بيت بكمال فني. «هَلي» أولًا.
فهل استطاع زياد تنقية صحته بشكل كافٍ ليعود طبيعيًا، وهو كان فوق الطبيعة لا تحت قوانينها؟
وهل الركون في البيت الوالدي، مع فيروز وريما، مؤثّر إيجابي في رحلة العودة؟
وهل استطاع الأمان في بيت الرابية أن يعوّضه عن الأمن المهتزّ، وهو مراقَب من مجهولين كانوا يترصّدونه، وقد انتبه مرّاتٍ لوجودهم حول بيته الخاص؟
إنها العودة إلى الرَّحم، شاء زياد أم أبى. علماء النفس يقولون ذلك في حالته: يفقد المرء توازنه، وعقله، وعواطفه، وحاضره، وماضيه، ومستقبله، فلا يبقى له إلّا البيت ـ الرحم الذي احتضنه قبل ولادته وبعدها… إلى حين. البيت الذي، حين تغيب السقوف التي تحمي، والأيدي التي تعطي مجانًا بلا بيع وشراء، يُطِلّ مُخلّصًا. البيت الذي غنّى له كي ينام، وأيقظه باكرًا إلى المدرسة، وفرش له الطريق لمواجهة الحياة. وفي النهاية، هو نفسه البيت الذي انتقده زياد، وكشف بعض أسراره في السياسة (في بعض المقابلات)، وخرج منه كالطفّار، وعَرَّض بأصحابه وضيوفهم، ظانًّا أنه سيستطيع التبرؤ. ذاك البيت عاد إليه زياد كالولد المخدوع، بعد مأساة الزوج المخدوع التي دمّرت في كيانه الكثير، وأبكته دمًا على مصيره الذي كان مرميًا، كل جزء في زاوية، وكل زاوية في غرفة سوداء. وقد تحاشى في البداية نشر ذلك، ثم أعلنه كجزء من التداوي منه.
والرواية تقول: أُصيب الرجل في كرامته، وعنفوانه، وأبوّته دفعة واحدة، بعدما نزل عند رأي فيروز التي كانت تُغضبها “رسائل” زوجة زياد، القائلة: “اصرفوا ما تريدون من أموالكم، لكن تأكّدوا أنّ الذي سيتمتّع بها هو ابني عاصي الصغير”. كانت فيروز مُحبطة من “عدوّة” تتوعّدهم بهذا الشكل، ولديها شكّ في نسب عاصي الصغير لابنها زياد، كونها لا تثق بالزوجة. بالإضافة إلى سبب آخر عميق، وهو أن لا وجه شبه بين زياد وعاصي، ولا بين العائلتين! طلبت فيروز من زياد فحص الـ “دي إن آي” للشاب عاصي ابن زياد من زوجته “الأولى”. جُنّ زياد من الطلب، رفض، واستنكر، وعاند، لكنّ فيروز أصرت، مستندة إلى مسألة فقدان الشبه مع صفات عاصي الشاب الشكلية. لعب الفأر في عبّ زياد، الذي، بصعوبة، اقتنع بالفحص وأجراه، فتبيّن أن عاصي ليس ابنه. وهذه اعترافات شخصية له نُشرت في كتب.
شيء لا يوصف… كأنه في القصص، كأنه في التراجيديا الإغريقية: فنّان كبير وممتلئ حضورًا وذكاء، يلتقط الخفايا “ع الطاير”، يمرّ بكل المآسي الشخصية والصحية والنفسية، معتقدًا أن ثمة أمانًا في الفن، فيصطدم بالأدهى محسوسًا وملموسًا… وفي الولد! فيتضح أن الأمان وَهْم أبدي، وأن اللهو ينقلب عذابًا روحيًّا. فكيف عالج زياد هذه الشبكة العنكبوتية من الآلام والأحزان المتوالية في حياته؟ أسئلة كان لا بدّ معها من تغيير جذريّ عميق، وصل إلى الجينات، لمعرفة: إلى أين؟ لكنّ استحضار الماضي الفني ضروري…
في تصنيفه الفني، يمكن القول بلا أيّ مبالغة أو تعجّب: إن زياد الرحباني مارد. حين كشف عن مسرحيته الأولى «سهرية»، سرى انطباعٌ أنه وريث شرعي ونسخة مصغّرة عن أهله، بلا إضافة أو زيادة أو ابتكار. وعرف زياد أن هذا الانطباع لا يعكس ماهيّة مشروعه الفني التجاوزي، فخرج المارد الصغير من ذاته، وقدّم «نزل السرور» التي أطلقت صفّارة الإنذار عن ولادة كاتب مسرحيّ «غير شكل»، وملحّن «غير شكل»، ومخرج «غير شكل»، قبل أن يأخذ التمثيل على محمل الجدّ في «بالنسبة لبكرا شو» و«فيلم أميركي طويل»، ويُطلِع المارد الجديد كممثّل.
هنا، بات الكلام عنه في الأوساط الثقافية لا يربطه بأهله في شيء: لا اللغة المسرحية عنده رحبانية الطابع، ولا ألحانه، ولا كلمات أغانيه، ولا تمثيله، ولا إخراجه الذي أحدث في أوساط المخرجين خضّة «علمية» حاولت تفكيك هذا الأسلوب الإخراجي العجيب الغريب، القريب من الحياة العادية الصرف، بلا رتوش. صارت صورته رباعية الأبعاد: كاتب، وملحن، وممثل، ومخرج، وهو في كل ذلك نسيج نفسه، لا نسيج أحد، يعبّر عن أسلوبه وأفكاره ومشاعره كما لم يعبّر أحد قبله.
فإذا أخذته ككاتب مسرحي، وجدت فيه قصةً وحبكةً وشخصيات نابضة متوترة، تنبثق من الواقع وتصب فيه. وأكثر ما لفت الانتباه حواراته: من تفاصيل العيش، والبيوت، والمكاتب الحزبية، والشوارع، ودور المجانين، من تحت الأرض وفوقها، ومن اللفظ الشعبي المقرون بمنهجية مقصودة تؤدي، في نهاية الأمر، دورًا هو نقل الحياة إلى الخشبة، ولكن بتصرّف… بتصرّف زياد الرحباني.
تصرّفه بالسياسة العليا، والمناطقية، وبتهيؤات المصابين بأمراض نفسية، وبأحوال البشر المهروسين بشؤون صغيرة، وبالشعراء الملوّثين بالحداثة، وبكل ما تمرّ عليه العين خلال النهار والليل… لاذع، مقاتل، غامض، مكشوف للأعمى، ومحصّن برؤية نقدية لجميع حالاته هو، وحالات المجتمع، والبلد، وتعابيره التهكمية التي «لا يقف عليها طبيب»، لنباهتها وابتكارها من الكلمات المألوفة يولّد ضحكًا عامًا.
وماردُ الكتابة المسرحية هو ماردُ اللحن. فرَّ إلى سيد درويش من الرحباني، ومن هناك استلهم روحًا مسحوقة كان يراها في كل مكان ضربتْه أزماتٌ وخرابٌ وحروب. سحب من عصب سيد درويش خلايا عمل عليها ليجد نفسه فيها، ومبتعدًا عنها في آن واحد، ومشكّلًا لذاته خطَّهُ الموسيقي المذهل الذي عُرف به. بدأ الطريق من الرحباني أولًا، ثم انعطف إلى سيد درويش، وسار نحو مكانٍ من الدهشة كان يظهر في الألحان التي تخترق المزاج وتعلق به، وترسم دوائر متحرّكة كتلك التي تحدث حين ترمي حجرًا في بركة. ألحانٌ هي ابنةُ فكرةٍ محددة لديه وخيالٍ معًا، تتحدث عن البسطاء وأحوالهم في التعتير المادي والمعنوي والغرامي واليومي.
وليس من قبيل المصادفة أنه التقى بالمغني جوزف صقر، أداته الغنائية الساطعة، ففعل به جزءًا مما فعل الأخوان رحباني بفيروز؛ أي إن كل ما كان يتخيّل صناعته في الموسيقى كان يقولبه على مقاس صوته وشخصيته اللطيفة الرهيفة «السائرة والربّ راعيها». وكلمات الأغاني غالبًا ما كانت تأخذ من الشارع وتعطيه، تفتح خزائن الأحاسيس والمفردات والتعليقات الذكية، وترصفها مشفوعة بالضحك على الدنيا ورجالها ونسائها، وهلمّ جرًّا.
ماردُ التلحين المشبَع بالموسيقى المتنوعة المتعددة الأرواح، المتفنّن بتركيب المجازات في اللغة والموقف، شدّته الموسيقى كعالم قائم بذاته بعيدًا من الكلمات والأغاني، فاختطفته (الجاز) إليها، وسريعًا ما اكتشف أنها موسيقى لآخرين في الكون، فعاد وعُدنا إلى الألحان والأغاني التي «فرض» الجمهورُ الرجوعَ إليها، وهو جمهورٌ كان يظنه هو جمهور الجاز. ولعل التوزيع الموسيقي الذي سمعناه في عددٍ من أغاني فيروز الأخيرة، ومنها «سلّملي عليه»، وأغانٍ أخرى للمغنية التونسية لطيفة، منها «أمّنلي بيت»، كان أدنى إلى من يلعب على روحية الأشياء والأوتار والناس. توزيعٌ هو ضرباتٌ موسيقية، وهمسُ آلات، واختلاطُ أصوات، وتلوينُ أفكار، ودخولٌ في أعماق الوجدان، كأنما هو الوجد الصوفي يُستعاد ويُرسِّخ مكانته في الذاكرة.
وإذا كان لقب «المؤلف الموسيقي» يُغري الموسيقي بمعناه الرفيع، فإن توزيعاتِ موسيقى بعض ألحان زياد كانت أوسع وأعمق وأخصب مما يدعونا بعضهم إلى اعتباره تأليفًا موسيقيًا من أعمالهم.
مارس زياد الرحباني الجنونَ كاملًا: في الشخصي كان مجنونًا، في الفني والموسيقي والمسرحي كان مجنونًا، في نوع الغناء الذي أطلقه عبر مسرحياته وكاسيتاته كان مجنونًا، في حضوره الحزبي والسياسي كان مجنونًا، في آرائه التي اندفع بها كان مجنونًا، في إخراجه وحفلاته وأغانيه مع هواة وغير هواة كان مجنونًا. وحتى في ملابسه؛ فقد حمل عقدة الكرافات التي حرصت فيروز على إظهاره بها وهو صغير، فنزعها عن رقبته، ولم يضع كرافات بعد ذلك إلّا في حالات مضحكة. ملابسه كانت مجنونة، ولم يظهر مرة على شاشة إلّا وكان وصف «المجنون» يرافقه.
لكنه كان جنون فنانٍ حاذقٍ بارع، كاسرٍ للتقاليد والصور والأنا والآخرين. لم يفارقه الجنون حين أقنع أمَّه فيروز بغناء «ع هدير البوسطة» فصدم الجمهور، ثم أقنعها بغناء «بعتت لك» وهي لمغنية مغمورة، ثم أقنعها بغناء «وحدن بيبقوا» وكان قد لحّنها لرونزا، ثم أقنعها بلحن «بكرا برجع بوقف معكن» الذي وضعه لكشافة مدرسة «الحكمة»، ثم أقنعها بثلاثة أرباع الأغاني التي أنشدتها من ألحانه أيام الخلاف مع الأخوين رحباني، وجعلتها متداولة بين الناس، إلا أنها لم يبقَ منها على بريق معتبر إلّا «كيفك أنت»، و«سلّملي عليه»، و«عودك رنان»، وقلة قليلة جدًّا.
كان زياد الرحباني في حاجة إلى صوت فيروز لكي يقول تجربته من خلاله. ومن دون فيروز، كان ربما اختار أصواتًا عادية، لجأ إليها قبل الانقطاع عن المشاهدة، ولم يكن انتشارها مضمونًا.
كانت فيروز في حاجة إليه لترتيب الأغاني القديمة على مقاس التعديلات التي فرضها العمر على صوتها، فكانت، إذًا، ظرفًا موضوعيًا مناسبًا ليزرع خريطته الموسيقية على صوت فيروز. ولا يهمّه لو نشب بعد ذلك اقتتال «أهلي» عند محبّيها، بين مؤيد «للتجديد» بحكم الواقع ومعترض عليه بحكم الذاكرة، وظل هذا الاقتتال واضحًا إلى اليوم.
اليوم، حين توضع الأغاني التي كتبها ولحنها زياد لفيروز تلك الفترة أمام ماضي الأغاني الرحبانية لها، أو ألحان فيلمون وهبي الآسرة التي سكَبها أوائل الثمانينيات، من القرن الماضي، من شعر جوزف حرب لها، ستتمّ مقارنة طاحنة بناءً على سؤال: «ماذا نحب أكثر؟».
بعض أغاني زياد الفاتنة حملت العصب الإيقاعي النابض، مثل «عودك رنان» التي يستطيع السامع المتأني أن يتبيّن فيها أصابع عاصي في التوزيع الموسيقي، واستخدام الإيقاعات الفائقة الجمال، خلف أصابع زياد وخياله الفني الراقص. أما طريقة التوزيع الموسيقي فهي أجمل فوضى منظّمة على الإطلاق. وقيل كثيرًا عن الإيقاعات الراقصة والجُمل الكردية الأصل الفني في هذه الأغنية، لكنها أغنية ولا أروع!
إن تجربة زياد في الحفلات الموسيقية الغنائية صدَمته من حيث «نفور» الجمهور (حسب رأيه) من الموسيقى وتفضيله الأغاني عليها، ومن حيث عدم حظوته بصوت غنائي يملأ النفس ويحفزها منذ غاب جوزف صقر، صديقه وبطله الأقرب، وإثر يأسه من التعرف إلى صوت نسائي يكمّل موسيقاه بعد تقدم عمر الوالدة. جاءت الحفلات، على الرغم من جمهورها المتوافر والكثيف وربحها المادي، أقل بكثير مما يحلم به ابن البيت الذي لم يفعل بيته سوى تحقيق الأحلام الجمالية للآخرين، ليبقى هو، كما تقول المسرحية، على رصيف «المحطة».
وزياد، الذي لا يعرف الوقوف على الحياد المألوف عند الفنانين، شارك في التعبير عن الرأي الصادم في الحرب الأهلية، استمر بعدها وخاض تجربة الصحافة اليومية في عزّ هيجان ٨ و١٤ آذار. وكانت له كتابات عارية تمامًا من المهادنة، على مسحة فكاهة سوداء كثّفت الجدل حول جدواها، وحول ما إذا كان تأثيرها على جمهوره سلبيًا أم إيجابيًا. ولم يكن زياد مهتمًا بمن يحب أو يكره تلك الكتابات، فهَمّه كان أن يعلن انتماءه بصراحة إلى خط المقاومة، وإلى سياسة رفض مطلق لمشاريع السياسة الغربية تجاه المنطقة. وكان حادًا، هجوميًا، ومتهكمًا على كبير المواقف وصغيرها.
غير أن بعض «العارفين» بمآلات الأمور كانوا يرونه «يفش خلقه» في كتاباته لا أكثر، فيما كان الصحافيون «العتاق» يجزمون بأنه سيضجر، إذ إن الصحافة لغير أهلها المهنيين «مهلكة». وترك زياد عموده الصحفي بعدما راحت أوراق السياسة في البلد والمنطقة تختلط أفقيًا وعموديًا، ووجد نفسه في «كركبة» عارمة، على الرغم من أن ما قُدّم له كان استثنائيًا انطلاقًا من أهميته وحضوره الشعبي الكاسح.
ويبدو أنه، منذ ابتعد عن الكتابة الصحفية، ابتعد عن الأضواء، ودخل مرحلة ترتيب أوضاعه الشخصية كلها. وهو الآن، كما نعرف، في منطقة الأمان التي ورد ذكرها آنفًا.
تعب زياد الرحباني من حياته، تعب من الفن والناس والمحبين والأصدقاء أكثر مما تعب من الأعداء. «تخلّص» فنيًا وربما شخصيًا من أبيه وعمّه وأمه في مسرحيات منها: «شي فاشل»، وانتقادات علنية صادمة لكنها حقيقية، وما بدّل تبديلًا في الثورة والرفض. وكان أحيانًا يَعي أنه يتوه حتى الثمالة.
منذ خمس سنوات، اتصل بي، على المعرفة البخيلة بيننا، وبشكل مفاجئ قال: «الناس الطيبون لازم يلتقوا يا عبد الغني، ونحنا وياك طيبين». فرحتُ به. لكن صديقًا مقرّبًا جدًا منه قال لي: «كل مدة بيروق على بعض الناس وبيرجع بينسى». وهكذا كان.
ثمة، في حبي لزياد الرحباني، شيء اسمه «ذات العمر»؛ فأنا وهو من جيل واحد، ويعرف حبي وصداقتي مع والده عاصي الرحباني إلى درجة أنه قال عني مرة (ولا أدري إذا صدق الراوي!): «مش لازم حدا يحكي عن عاصي غيره»، ويقصدني أنا. هذه الجملة لا تقربني أكثر من عاصي إذا كانت صحيحة، ولا تبعدني عنه إذا كانت توليفة، بل تقول لي ما قاله زياد هاتفيًا: إن الناس الطيبين لا بد لهم من لقاء.
الخسارة حصلت في أواخر تموز ٢٠٢٥، لكنها ترافقت مع زخم استثنائي عزّز شهرته. استفاق عليه كثيرون، من أجيال متعدّدة في لبنان والعالم العربي. وللتاريخ رأي سيقوله حتمًا عند كل سؤال عنه.
ارتاح من أوجاعه التي بدأت، والتي توقّع لنفسه أنها ستجعل حياته «شي فاشل». وبدلًا من الاستسلام لنقطة ضعف في جسده، سلّم جسده كله لنقطة القوة: الموت احترازًا.
فهل سنَيأس ونلطم كفًا بكف في تقييم خسارة فنية هائلة اسمها زياد الرحباني؟





