العدد الثامن

سؤال الله والفيلسوف

تخيّل أن يزورك إله الحقيقة ويقول لك: تستطيع أن تسألني سؤالًا واحدًا فقط، وسوف أجيبك عنه بكل صدق. قد يخطر ببال أحدهم أن يسأل عن تاريخ وفاته، وقد يسأل عمّا إذا كانت هناك حياة خارج الأرض…

لنفترض أن هذا الإله سوف يظهر أمام فيلسوف محبّ للحقيقة والحكمة، فما هو السؤال الذي سيطرحه؟ قد يسأله عن وجود الله، أو عمّا إذا كانت حواسنا تخدعنا في تلقي أحداث العالم، أو عن وجود الروح لدى الإنسان… لكن فيلسوفنا هذا يحقّ له طرح سؤال واحد فقط، لذلك عليه أن يتمعّن جيدًا قبل أن يسأل، حتى لا يضيّع فرصته.

وأخيرًا، وبعد طول تفكير، قرّر الفيلسوف طرح السؤال الآتي: لماذا هناك شيء موجود أكثر من عدمه؟ أو بمعنى آخر، لماذا العالم موجود بدلًا من العدم؟ إذ كان من الممكن ألا يكون هناك عالم، ولا مادة، ولا مكان، ولا زمان، ومع ذلك، فإن كل ذلك موجود بالفعل. فالسؤال هو: لماذا؟ 

ولكن، لماذا اختار فيلسوفنا هذا السؤال تحديدًا؟

الإجابة هي أن هذا السؤال يتضمّن كل الأسئلة الميتافيزيقية، والإجابة عنه ستكون بمثابة المفتاح الذي يحلّ كل القضايا الميتافيزيقية الغامضة. فإذا عرفنا لماذا هناك شيء موجود وليس العدم، سنتمكن من معرفة مصدر العالم والوجود، وإن كان هناك إله أو مبادئ قانونية تحكم الكون، تاليًا، سنستنتج علّة وجودنا ووجود الكون نفسه.

حاول الفيلسوف لايبنتز في القرن الثامن عشر الإجابة عن هذا السؤال. يقول لايبنتز إنه بمجرد أن يكون العالم موجودًا، فلا بد أن له معنى. تجدر الإشارة إلى أنه يجب التفريق بين فكرتي “المعنى” و”السبب”: فالسبب هو العلاقة بين حدث وآخر، أما المعنى فهو القانون العام الذي يفسر تلك العلاقة.

على سبيل المثال: عندما أفلتُّ القلم من يدي وسقط على الأرض، فإن سبب سقوطه هو إفلاتي له، لكن معنى السقوط يكمن في قانون الجاذبية. فالأسباب تتعلق بجزئيات الأحداث المتزامنة، بينما المعنى يشمل كل الأسباب، بما فيها السبب الأول الذي أطلق سلسلة الأسباب الناتجة عنه.

يقول لايبنتز: “لا شيء يحدث أو يكون على شكله من دون معنى، وثمّة أسباب موضوعية لكلّ وجود وحدث، حتى لو كنّا لا نعرفها.” إذًا، لماذا الأشياء موجودة وليست في العدم؟

إنّ العدم يُعدّ مبدأً بسيطًا بعكس الموجودات المركّبة. فمن أجل تحليل أيّ حدث مادّي، علينا أن نعود إلى الحدث المسبّب له، ومن أجل تحليل الحدث المسبّب، علينا أن نعود إلى الحدث الذي سبّبه أيضًا، إلى ما لا نهاية… من هنا تأتي الحاجة إلى إيجاد معنى شامل يتضمّن كلّ تلك المُسبّبات. بمعنى آخر، علينا البحث عن حدث لا مُسبّب له، وهو مستقلّ في سُلَّم المُسبّبات. إنّ هذا الحدث الكافي والمطلق والمحرّك الأوّل الذي لا مُسبّب له، هو إله لايبنتز. وهذا الإله ليس إلهًا دينيًا أو أخلاقيًا، إنّما هو إله منطقي يشمل كلّ منطق السببيّة في العالم.

ما زلنا في طريقنا إلى الإجابة عن السؤال المركزي: لماذا الأشياء موجودة وليست في العدم؟ إننا في منتصف الطريق! 

لقد اكتشفنا مع لايبنتز أن (الله) هو المسبّب الأول والمطلق لكلّ الأحداث والموجودات، وبما أن لايبنتز يقرّ بأن لكلّ موجودٍ معنى، فما هو معنى العالم؟

للإجابة عن هذا السؤال، علينا أولًا مقارنة إله لايبنتز بإله الأديان. إنَّ إله الأديان خلق العالم والوجود من العدم بمشيئته، لأنه يمتلك إرادة حرّة، وكان بإمكانه ألّا يخلق العالم، لكنه اختار ذلك لسبب يعنيه. أما إله لايبنتز فليس حرًّا، لأنه أوجد العالم والموجودات وفق قوانين طبيعية ضرورية، وهو مجرّد كائن يطبّق القوانين.

من هنا ينتج سؤال طبيعي: إذا كان هذا الإله يطبّق القوانين الطبيعية الضرورية، ألا تكون هذه القوانين سابقةً زمنيًّا عليه؟ 

الإجابة، حسب لايبنتز، هي نعم، فالقوانين الطبيعية هي الأساس، وليس دور الإله إلا تطبيقها حرفيًّا من دون أي إبداع أو مشيئة منه.

إذا سلَّمنا جدلًا بمسيرة لايبنتز الفلسفية، فسنسأله: ماذا كان قبل ذلك؟

إذا كانت الإجابة “لا شيء” أو “العدم”، فنحن نتخيّل عملية عبور من اللاشيء إلى الشيء الموجود عبر قوانين فيزيائية طبيعية ضرورية تتحكّم بمجريات الأحداث. لكن هذا المنطق يفترض وجود تلك القوانين قبل نشوء العالم، أي في حالة العدم. فكيف يمكن للعدم أن يكون عدمًا إذا كانت هناك قوانين طبيعية موجودة ضمنه؟

يقول الفيلسوف إتيان بلان: فلنتخيّل إلكترونين (electrons) تقابلا للمرة الأولى في الكون. حسب القانون الفيزيائي، سوف يبتعدان عن بعضهما البعض لأنهما يحملان الشحنة نفسها. لكن كيف عرف الإلكترونان للمرة الأولى أن القانون يملي عليهما أن يبتعدا؟ هل أخبرهما أحد بذلك، أم أنهما قرّرا ذلك؟ يستنتج بلان هنا أن قوانين الكون تسبق وجوده أو خلقه، وتاليًا، تصبح هذه القوانين هي الخالق.

لكن إذا سلّمنا بأن نشوء الكون كان من العدم، وأن الخالق هو قوانين الطبيعة، فهذا يعني أن العدم لم يكن عدمًا، لأنه يتضمّن هذه القوانين. إذ إن تعريف العدم لا يقتصر فقط على خلوّه من المادة، بل يشمل أيضًا غياب الأفكار والقوانين. تاليًا، فإن الكون لم ينشأ من العدم.

يعرّف الفيلسوف المعاصر روبرت نوزيك العدم بخاصية واحدة: قدرته على تحويل كلّ شيء إلى عدم. وعندما يتعرّف العدم إلى نفسه، فإنه يعدم نفسه عبر مبدأ “تعديم العدم”، وعند حدوث هذه العملية يولد شيء جديد.

مثال على ذلك في الرياضيات: عندما نضرب رقمين سالبين ببعضهما البعض، نحصل على نتيجة موجبة. ويمكن توضيح هذه الفكرة من خلال مثال مستوحى من الرسوم المتحركة: مكنسة كهربائية تسحب الغبار، والأساس، ومن ثم الأرض وخلفية الشاشة، وأخيرًا تسحب نفسها، فتختفي تمامًا، تاركة الشاشة بيضاء.

يقول نوزيك إنّ السؤال: “لماذا الموجود موجود والعدم غير موجود؟” يتضمن في طيّاته افتراضًا بأنّ العدم موجود، لكن هذا الافتراض مشكوك فيه. فلماذا نعتبر أنّ العدم طبيعي أكثر من الوجود؟ 

يدعونا نوزيك إلى قلب هذه القاعدة، إذ يرى أنّ الموجودات أكثر طبيعية من العدم، وما الدليل على ذلك إلّا حواسنا. فببساطة، إذا توقّفنا عن التسليم بأسبقية العدم على الوجود، يصبح هذا السؤال بلا أي معنى، لأنّه مرتكز على فرضية غير مؤكدة. وعندئذٍ، يكون الجواب ببساطة: “كلّ ما هو موجود!”

إذا سألك أحدهم: “لماذا هناك عشب في مرعى الأبقار؟” فستجيبه بأن تعريف مرعى الأبقار هو أرض فيها عشب، ولن يكون اسمه كذلك إذا لم يكن هناك عشب! وتاليًا، فإن هذا السؤال لا معنى له.

وهذا يشبه تمامًا سؤالنا: “لماذا الأشياء موجودة وليست في العدم؟”

ويمكننا تطبيق المنطق أعلاه على مواضيع مختلفة. فيقول برغسون: يجب أن نتعوّد على أن نتلقَّف الآخر مباشرة، أي من دون أن ندخل شبح العدم الذي يقف بين ذاتنا وبين الآخر. فإذا استطعنا أن نقبل أن فكرة العدم هي فكرة ابتدعناها كي تكون الضدّ لفكرة الوجود، وهي فكرة ناقصة لا إثبات لها، فإن كلّ الأسئلة التي سوف تنمّ عن هذه الفكرة لا معنى لها.

حسنًا، لقد أجبنا عن السؤال! لكن من أين أتت فكرة العدم إلى أذهاننا؟ إنّ فكرة العدم هي مسألة لغوية، فنحن معتادون على وجود نقيض لكلّ كلمة في اللغة، مثل: الضوء والعتمة، لكن ثمّة كلمات لا نقيض لها، مثل: الحمار، الوجود، والشجرة…

جاد حجار

باحث ومدرس وطالب دكتوراه في الفلسفة

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى