العدد الثامن

التفاحة ليست مجرد فاكهة

نادرًا ما نجد نوعًا من الفاكهة يستحوذ على هذا القدر من الاهتمام، ليس فقط لأهداف غذائية وصحية وجمالية، بل أيضًا في اللاوعي البشري. التفاح هو الفاكهة الحاضرة دائمًا، نظرًا لما تراكم في أذهاننا من عبارات وقصص وحكم متعلقة به. كما أنه يحضر بشكل إفرادي مصحوبًا (بتاء التأنيث) تحت اسم “تفاحة”، وهي الأكثر شهرة منذ بدء الخليقة.

فمن منا لم يسمع قصة آدم وحواء، حيث طلبت حواء من آدم أن يقطف لها تفاحة من الشجرة المحرمة، متجاهلة تحذير إلهه له. ومع ذلك، أقدم آدم بكل جسارة على تحدي ذلك التحذير، وقطف التفاحة ليقدمها لحبيبته، محاولًا تحقيق أمنيتها في ظل كل تلك الأخطار المحيطة بهما.

فقد كلفته تلك التفاحة الكثير، حيث تسببت في غضب الرب، فنفاه هو وحواء من الجنة إلى الأرض، لتكون بذلك بداية إنتاج السلالة البشرية التي ننتمي إليها جميعًا.

ولولا التفاحة، لبقي كوكب الأرض فارغًا إلى يومنا هذا.

تظهر لنا هذه الحكاية رمزية التفاحة، التي أصبحت مرادفًا للخطيئة، وتؤدي دورًا مهمًا في قصة سقوط الإنسان.

إذا أردنا التجول في أروقة القصص الشعبية، سنجد العديد من المرويات التي تقحم التفاحة في كل شاردة وواردة. فلنأخذ مثلًا قصة سقوط التفاحة على رأس العالم الفيزيائي الشهير “إسحاق نيوتن”، والتي تم تلقيننا إياها في المدارس على أنها “قصة حقيقية”. وتروي هذه الحكاية كيف توصل نيوتن إلى اكتشاف نظرية الجاذبية الأرضية عندما لاحظ أن التفاحة سقطت إلى الأسفل بدلاً من أن تحلق نحو الأعلى. وأغلب الظن أن الأديب الفرنسي الشهير (فولتير) هو من اختلق هذه القصة لإيصال الفكرة بطريقة جذابة، ولذلك انتشرت بشكل واسع. ومن خلال هذه القصة، نلاحظ كيف يتم تسطيح النظريات العلمية، حيث يظن العامة أن الاكتشافات تظهر في ثانية، بينما في الحقيقة هي نتيجة لسنوات من البحث المتواصل والمرهق، ولا تحدث بهذه البساطة.

كان الإغريق القدماء يعتقدون أن ديونيسيوس، إله الخمر والخصوبة، هو من خلق التفاحة وقدمها لأفروديت، إلهة الحب. وفي أثينا، كان يُقال إن المتزوجين حديثًا يأكلون التفاحة قبل دخول غرفة الزفاف، لأنهم كانوا يعتقدون أن الفاكهة تجلب “الإثمار”، أي الخصوبة.

لا شك أن التفاح الأكثر شهرة في الأساطير الكلاسيكية هو التفاح الذهبي الذي تنتجه هسبيريدس. كانت حديقة هسبيريدس بمثابة بستان الإلهة هيرا، وعندما تزوجت هيرا من زيوس، قيل إن الأغصان التي تحمل التفاح الذهبي كانت من بين هدايا الزفاف. ومرة أخرى، يرتبط التفاح بالخصوبة والجنس، ربما لأن شكل الثمرة يوحي بثدي المرأة، (كما لاحظ هانز بيدرمان) في قاموس “وردزورث” للرمزية: الأيقونات الثقافية والمعاني الكامنة وراءها.

تُروى الأساطير الإسكندنافية عن الإلهة إيدونا التي تحرس التفاح الذي يمنح الشباب الأبدي لمن يأكله. وفي أسطورة حكم باريس، كانت إيريس، إلهة الخلاف، تقطف تفاحة الخلاف من حديقة هسبيريدس. هذا الفعل منح باريس الإذن لاختطاف هيلين طروادة، وهو الحدث الذي أدى في النهاية إلى اندلاع حرب طروادة.

وللتفاحة أيضًا قصة مع العالم الإنجليزي آلان تورنغ، الذي وضع الأسس النظرية الأولى لصناعة الحاسب الآلي (الكمبيوتر). كان تورنغ يعمل في مركز فك الشفرات خلال الحرب العالمية الثانية، وإليه يرجع الفضل في فك الشفرة العصية المعقدة التي كانت تستخدمها القوات الألمانية، والمعروفة بشفرة “إنغما”. ظلت رسائل القوات الألمانية مكشوفة للإنجليز لسنوات بفضل دور آلان تورنغ في هذا الإنجاز التاريخي، الذي كان أحد الأسباب الرئيسة لانتصار الحلفاء على النازية.

كان لدى هذا الشاب العبقري ميول مثلية، وقد تعرض للسرقة من قبل رفيقه. وعندما قام بتقديم بلاغ عن الحادثة، اعترف في أثناء التحقيقات بأن السرقة كانت على يد شخص تربطه به علاقة جنسية. حينئذ، كانت القوانين البريطانية تعاقب على هذا الفعل بالسجن، ولذلك صدر أمر بحبس آلان تورنغ. ومن أجل تجنب السجن، قبل بفكرة الإخصاء الكيميائي مقابل إطلاق سراحه. لكنه أراد أن ينتحر قبل تنفيذ هذه العقوبة، فحقن تفاحة بسم السيانيد وأكلها، ليفارق الحياة عن عمر يناهز الثانية والأربعين عامًا. وهكذا، كانت التفاحة المقضومة شاهدة على مصير مؤلم لشخص نهشته الخيبة الشديدة.

ظهرت التفاحة المقضومة كشعار لشركة آبل للتكنولوجيا، وذلك لأن مؤسس الشركة، “ستيف جوبز”، كان يحب التفاح فاختارها شعارًا لها. ومع ذلك، يرى البعض أن الشعار يمثل نوعًا من التعويض المعنوي للعبقري آلان تورنغ، بسبب ما تعرض له من ظلم نتيجة القوانين الظالمة حينها. كما تُستخدم التفاحة أيضًا في الإشارة إلى انتشار عدوى الفساد، فيقال: “تفاحة واحدة مهترئة بتعدي الصندوق كله”.

يطلق على الجزء الظاهر من الحنجرة لدى الرجال اسم “تفاحة آدم”. كما تنتشر العبارة الشهيرة “أكل الولد التفاحة”، التي تُستخدم بشكل تلقائي عند طلب كتابة جملة سهلة وبسرعة من أي تلميذ. ويكتب جون ميلتون في قصيدته الملحمية “الفردوس المفقود”: (1667).

ومن هنا، وجدتُ

 العالم الجديد الذي

 تنبّأت به الشهرة في السماء منذ زمن بعيد،

 وهو بناء رائع

 من الكمال المطلق!

حيث وُضِع الإنسان في الفردوس،

 وأصبح سعيدًا بنفيِنا.

 لقد أغويتُه بالاحتيال

 من خالقه؛ ولزيادة دهشتك،

 بتفاحةٍ واحدة! فقد أهانَه بذلك،

 واستحقّ ضحكك!

لقد تخلّى عن

 حبيبه، وعن كلّ عالمه،

 ليصبح للخطيئة والموت فريسةً.

من الواضح أن الأساطير قد أدت دورًا كبيرًا في الترويج للتفاحة بأشكال وقوالب مختلفة، مما رسخ حضورها في الوجدان الإنساني. ومن الصعب محو هذا الإرث اللغوي من ذاكرة الناس، وتاليًا من أحاديثهم اليومية.

سليم يونس

كاتب وناشط بيئي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى