العدد الثامن عشر

الأحمر بين الإثارة والخطر…

لم يحظَ لون في العالم بما حظي به اللون الأحمر لما له من تأثير واضح في حياة الإنسان وهو متعدد الاستعمالات، ويحمل الكثير من الدلالات.

بدأت قصة هذا اللون (اللغز) من مدينة صور أيام الكنعانيين، وينسب اكتشافه إلى الإله الكنعاني ملقارت حيث لاحظ أن كلبه قد تلون فكه بالأرجواني بعد مضغ قوقعة “الموريكس” خلاله مشيه على الشاطئ.

أطلق اليونانيون لقب “فينكس” وتعني الشعب الأحمر على الكنعانيين بعدما لاحظوا أن سفنهم المحملة بالبضائع ترفع الأعلام الحمراء في أثناء قربها من الشواطئ اليونانية، وهو ما جعلهم يُعرفون بهذا الاسم، وارتبطت تسمية “فينيقيا” بهم في الألفية الأولى قبل الميلاد. وكانت هذه الصبغة باهظة الثمن ورمزاً للثراء لذلك فإن لقب “الحمر” (الفينيقيين) يعكس بشكل أساسي نشاطهم التجاري واحتكارهم للصبغة الحمراء الشهيرة.

بينما في العصر الحديث اكتشف الكيميائي “ويليام هنري بيركين” صبغة أرجوانية صناعية عن طريق الصدفة في أثناء محاولته صنع عقار للملاريا في عام 1856، وسماها “أرجوان صور”.

يشير اللون الأحمر في إشارات السير لتنبيه قائدي المركبات بضرورة التوقف، ويرفع الحكام البطاقات الحمراء في وجه لاعبي كرة القدم كتحذير نهائي لهم وبضرورة مغادرة الملعب فورا بعد أن تتكرر أخطاؤهم نتيجة إخلالهم بالقواعد المتعارف عليها.

يفرش السجاد الأحمر في المهرجانات الفنية العالمية، لا سيما في مهرجان كان السينمائي، وفي استقبال رؤوساء الدول كدلالة واضحة على التكريم الاستثنائي لتلك الشخصيات الكبيرة.

يوضع أحمر الشفاه (يصنع من حشرة الكوشينيل التي تعيش على ورق الصبًار، ويحتوي جسدها على حمض الكارمينيك المكون من اللون الأحمر)، لإبراز جمال المرأة ولإضافة نوع من الإثارة.

تستخدم عبارة أحمر بالخط العريض للإشارة إلى جملة هامة. 

يطلق على المنظمة الدولية الشهيرة المتخصصة في الإغائة وتقديم الخدمات الطبية الطارئة تسمية “الصليب الأحمر”.

تضع التلفزيونات إشارة حمراء في زاوية الشاشة في إشارة واضحة بأن ذلك البرنامج أو الفيلم مخصص الراشدين فقط.

سميت المنطقة المخصصة للخدمات والعروض الجنسية في العاصمة الهولندية أمستردام بال “Red Zone” أي المنطقة الحمراء.

من أشهر المعالم في العاصمة الروسية موسكو هي الساحة الحمراء، وفيها مبنى الكرملين وكاتدرائية القديس باسيل.

يشير احمرار الخد دليلاً على الخجل، وتعتبر الوردة الحمراء دليلاً على الحب الكبير الذي يكنه العشاق لبعضهم وكذلك الدبدوب الأحمر الذي يسطع نجمه في أعياد الحب أو الفالنتاين بحسب التسمية الشائعة.

دلالات اللون الأحمر في علم النفس:

يعتبر اللون الأحمر من الألوان القوية وله دلالات إيجابية وسلبية. فمن الممكن أن يمثل القوة والعاطفة والشغف والطاقة، بالإضافة إلى أنه يرتبط بالعدوانية، الخطر، الغضب والحذر. ويستخدم لجذب الانتباه الفوري، ويثير استجابات جسدية كزيادة ضربات القلب، مما يجعله فعالا في الإعلانات والتحذيرات.. وهناك مقولة شعبية تعزز تلك الفرضية بحيث يقال أن فلاناً “احمرت عينه عليه” أي أنه غاضب بشدة من الذي أمامه.

يستخدم اللون الأحمر في المطاعم لتحفيز الشهية وكذلك في الملاهي الليلية من خلال عرض الإضاءة الحمراء وللتعبير عن الحب وتعزيز الطموح والعزيمة، ويبعث على النشاط.

يستخدم اللون الأحمر لاستجلاب غضب الثور الذي يشعر بالهيجان الشديد حين يراه وتستخدم القماشة الحمراء لإثارته خلال مباراة مصارعة الثيران العريقة في إسبانيا

يشير الاحمرار في منطقة محددة في الجسم إلى وجود مرض جلدي أو احتقان الأوردة أو مرض معين.

من أكثر أساليب الترويج الفاكهة شهرة هي “أحمر وحلو يا بطيخ”.

من الأعمال الأدبية الشهيرة هي رواية “إسمي أحمر” للروائي التركي الحاصل على جائزة نوبل في الأدب أورهان باموق.

يعتبر قصر الحمراء من المعالم التاريخية الهامة في مدينة غرناطة الأندلسية وهو تحفة معمارية إسلامية ومصنف كموقع تراث عالمي من قبل منظمة اليونسكو، وهو يشتهر بروعته الفنية وأسواره الحمراء، ويمثل ذروة فن العمارة الأندلسية التي تعود لحكم بني الأحمر.

ولا ننسى بيت الشعر الشهير “للحرية الحمراء بكل يد مضرجة يدق” وهو يأتي ضمن قصيدة ” نكبة دمشق” التي كتبها أمير الشعراء أحمد شوقي عام 1926.

تقول سميرة توفيق في إحدى أغانيها “بسك تحي حارتنا… يا عيوني وتتلفت حوالينا… الله الله.

عينك على جارتنا.. يا عيوني

ولا عينك علينا.. دخيل الله

بين بيروت والشام.. يا عيوني

مرت سيارة حمرا.. الله الله

وهاي سيارتك يا حبيب.. يا عيوني

وانا عرفنا من النمرا.. الله الله”.

بعد كل تلك الجولة المنوعة… يمكننا القول إن اللون الأحمر حاضر بقوة في صلب حياتنا، ويحتل حيزا لا بأس به ويمكن اعتباره “ملك الألوان” المتربع على عرشه منذ سنوات طويلة، ولا يمكن إزاحته بسهولة؛ نظرا لمكانته العالية في الوجدان الشعبي المترسخ منذ مئات السنين وهنا تكمن أهميته وفرادته المطلقة.

سليم يونس

كاتب وناشط بيئي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى