العدد الثامن

أسماء باريس العربية معابر بين ماضي الفرنسيين وحاضرهم

تستعيد فرنسا بين حين وآخر بعضًا من ذاكرتها وتختار حقبات من تاريخها التي لا تزال موضع خلاف متجدد بين أبنائها متعددي الأصول والأعراق والأديان. فللذاكرة حضور طاغ في هذا البلد، وهو ما نتلمسه هذه الأيام مع تصاعد النزاع الداخلي حول مسألة الهجرة والمهاجرين الأجانب.

ذلك أن السجال حول هجرة الأجانب يضمر عمومًا التعرض عبر الإعلام للأحياء الفرنسية الشعبية التي تضم غالبية من الفرنسيين ذوي الأصول الأجنبية. ولعل مشاريع قوانين الهجرة المتتالية التي أصدرتها الحكومات المتعاقبة خير دليل على أن هذه القضية تحتل موقعًا محوريًا في الحياة السياسية الفرنسية منذ ثمانينيات القرن الماضي. وإن كانت فرنسا تبدو شديدة القسوة على بعض مواطنيها بسبب انتمائهم الأصلي إلى عوالم أخرى غير أوروبية، إلا أنها درجت على أن تخصص لهم أيضًا مواقع مميزة في الخارطة الحضرية لشوارعها وساحاتها وأزقتها، حتى تكاد الأسماء الأجنبية للشوارع أن تختصر علاقات فرنسا المتشعبة مع بلدان العالم وحضاراتهم.

هذا ما نجده في باريس، العاصمة التي تواصل إعجابها بماضي فرنسا الاستعماري. وهذا ما نتلمسه في المدينة العريقة بتاريخها، المعتزة به حتى الثمالة، والتي تنضح بتواريخ تروي وقائع ماضيها وأمجادها.

أينما حللت هنا، تفرض المعالم التاريخية سيرها وحكاياتها عليك، ويكفي للزائر أن يدقق في أسماء شوارعها ليقف على هذه الحقيقة الساطعة. فكأن شوارع العاصمة الـ ٦٢٩٠ معابر من ماضي الفرنسيين إلى حاضرهم. نجد أسماء فرنسية صافية وأخرى مطعمة بلهجات أمم العالم ولغاتها. أسماء يجمع بينها حرص فرنسا على تخليد ذكراها، سواء أحبها الآخرون أم كرهوها. وللعرب نصيبهم فيها، ويتمثل بأسماء ماضية ومعاصرة تستحق إطلالة قد تفيد في فهم علاقة هذا البلد بمغرب العالم العربي ومشرقه.


شوارع تحمل أسماء عرب المغرب الكبير


تحضر أسماء من المغرب العربي الكبير على جدران شوارع باريس بطريقة تعكس علاقة فرنسا المتفاوتة مع بلدان هذه المنطقة. وتشير مجمل الأسماء بطريقة أو بأخرى إلى التدخل الفرنسي في شمال أفريقيا، في حين يُبرز بعضها الآخر علاقات باريس الهادئة مع دول المنطقة أو بعض زعمائها البارزين.


في الجانب التاريخي، نجد في الدائرة التاسعة عشرة من العاصمة حيًّا يضم شوارع تنقلك أسماؤها إلى مدن وحواضر في شمال أفريقيا، أرادت فرنسا تخليد انتصاراتها فيها. فللمغرب ساحة تحمل اسم “المغرب”، ويتفرع منها زقاق المغرب، وتعود تسميتها إلى عام ١٨٤٦. يجاورها شارع طنجة، المرفأ المغربي الذي قصفه الفرنسيون في أغسطس ١٨٤٤، ثم يأتي شارع القبائل، الذي يُنسب إلى بلاد القبائل الأمازيغية شمال العاصمة الجزائرية، والتي خضعت للاحتلال الفرنسي عام ١٨٥٧. كما نجد بوليفار الجزائر، الذي يرمز إلى اندراج الجزائر في الاتحاد الفرنسي خلال الفترة الاستعمارية.

للجزائر حصة الأسد

تحظى الجزائر وحدها بثلاثة عشر شارعًا، وهي نسبة عالية قياسيًا مقارنة ببقية الدول الأفريقية. أربعة من هذه الشوارع تحتفي بشكل مباشر بالاحتلال الفرنسي للجزائر، مثل شارع الجزائر في الدائرة الأولى الذي يعود إلى عام ١٨٣٠، وفناء الجزائر في الدائرة الثانية عشرة الذي أُطلق عام ١٩٩٣، وشارع تِلمْسان في الدائرة العشرين الذي تأسس عام ١٨٦٩، وشارع موزاعيا في الدائرة التاسعة عشرة الذي يعود إلى عام ١٨٣٩. إضافة إلى ذلك، هناك شارع مازغران في الدائرة العاشرة الذي أُطلق عام ١٨٤٠، وشارع سيدي إبراهيم في الدائرة الثانية عشرة الذي تأسس عام ١٨٤٥.


ولعل للاسمين الأخيرين وقعًا ألطف وأكثر أنسًا بالنسبة إلى عامة الفرنسيين. فقد تبنوا كلمة “مازغران”، التي تعني القهوة الخفيفة التي تُقدّم في قدح كبير، وليس في فنجان صغير كما هي العادة، وتُنسَب إلى قرية “مازغران” الجزائرية. وما زال الفرنسيون يطلقون اسم “مازغران” حتى اليوم على فناجين القهوة الطويلة، وهي المفضلة لديهم حين تمتد جلساتهم ويروق لهم الاستمتاع بقهوة مرفهة. أما اسم “سيدي إبراهيم” فيعني لغالبيتهم أنواعًا من الخمور الحمراء التي كانت تشتهر بها مدينة سيدي إبراهيم الواقعة في ولاية سيدي بلعباس غربي الجزائر. تجدر الإشارة إلى أن هذه التسميات أُطلقت على الشوارع المذكورة خلال الفترة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، التي دامت أكثر من مئة وثلاثين عامًا.


علاقات هادئة وأخرى مضطربة


من الجزائر إلى تونس، تتبدل دلالة الأسماء وتظهر الذاكرة الفرنسية أكثر طراوة وأقل تأزّمًا. فتشهد جادة تونس (تيمّنًا بالبلد) والحديثة التسمية (١٩٨٤)، الواقعة داخل حديقة “مونسوري” في الدائرة الرابعة عشرة من باريس، والمصنّفة من بين أجمل مساحاتها الخضراء، على احتفاء مختلف وعلاقة مميزة بين البلدين. تونس العاصمة لها أيضًا شارعها في الدائرة الحادية عشرة، وكذلك مدينة صفاقس في الدائرة السادسة عشرة نسبة إلى الميناء الذي كانت تُصدّر منه فرنسا الفوسفات، ومدينة بنزرت في الدائرة السابعة عشرة التي كانت مركزًا لقاعدة بحرية فرنسية خلال الفترة الكولونيالية. 

أما ليبيا، فتحضر حصريًا من خلال محطة مترو وجسر “بير حكيم” على نهر السين، تخليدًا للمعركة التي واجهت خلالها القوات الفرنسية عام ١٩٤٢ قوات نازية بقيادة رومل في واحدة من أشرس معارك الحرب العالمية الثانية.


وإذا كانت التسميات القديمة تذكّر بغالبيتها بالمعارك الحربية والانتصارات الفرنسية، فإن التسميات الحديثة تُعبّر عن علاقات الصداقة الوثيقة التي جمعت بين فرنسا والملك المغربي الراحل محمد الخامس، وكذلك الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة. ففي عام ٢٠٠٢، تم تدشين ساحة الملك محمد الخامس في باحة معهد العالم العربي الواقع في الحي اللاتيني من العاصمة، بحضور حفيده الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي جاك شيراك. وجاء هذا التكريم، وفقًا للبيان الصادر بهذه المناسبة، تقديرًا لدور الملك الراحل “في تحرير شعبه، والحفاظ على إخلاصه لفرنسا، وخصوصًا خلال الحرب العالمية الثانية، حيث رفض كل أشكال التواطؤ مع دول المحور”.

أما الساحة الثانية، التي تحمل اسم الحبيب بورقيبة، فقد افتُتحت عام ٢٠٠٤، وتقع بين جسري “الما” و”إنفاليد” على ضفة “كي دورسيه”، حيث مقر وزارة الخارجية ومبنى الجمعية الوطنية، بمحاذاة نهر السين في الدائرة السابعة من العاصمة الفرنسية.

اسم حديث آخر يخلّد ذكرى المغرب الأقصى هو ساحة المناضل المغربي المعارض المهدي بن بركة، الذي اختُطف وقُتل في تشرين الأول/أكتوبر ١٩٦٥ في باريس، بالقرب من مقهى ومطعم “ليب” في حي “سان جيرمان دي بريه” الشهير، الواقع في الدائرة السادسة على الضفة اليسرى للعاصمة.

جاءت هذه التسمية، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية، بمبادرة من جان فويلرموز، رئيس المجموعة الشيوعية في مجلس باريس البلدي، حيث صوّت لصالحها المستشارون اليساريون، فيما امتنع مستشارو اليمين عن التصويت. وقد تم تدشينها في تشرين الأول٢٠٠٥ على يد عمدة باريس آنذاك، الاشتراكي برتران ديلانويه.


أسماء من المشرق العربي


بالانتقال من مغرب العرب إلى مشرقهم، تبدو ساحة بيروت الحديثة وكأنها الصبية العربية الأكثر دلالًا عند الفرنسيين، نظرًا لموقعها المميز الذي يربط بين دائرتين عريقتين وثريتين في التصنيف المحلي، هما الثامنة والسادسة عشرة.

تم تدشين الساحة في يناير عام ١٩٩٨ عند مفترق جادتي “بطرس الأول ملك صربيا” و”جادة مارسو” (التي تحمل اسم الجنرال فرنسوا سيفران مارسو، أحد جنرالات الثورة الفرنسية)، على مقربة من الشانزليزيه.

أما شارع لبنان، فيقع في الدائرة العشرين، وقد أُطلق عليه هذا الاسم عام ١٨٦٧، تيمنًا بـ “سلسلة جبال الجمهورية اللبنانية” وفقًا للسجلات الرسمية. ويجاوره منذ ذلك الحين شارع الموارنة، نسبةً إلى الطائفة اللبنانية المسيحية.

هناك أيضًا شارع “فلسطين” القائم منذ ١٨٦٩، وشارع “نهر الأردن” منذ ١٨٦٧ في الدائرة العشرين من المدينة. كلاهما يحملان الاسم نفسه نسبةً إلى كنيسة “القديس جان باتيست”، الذي عُمِّد في مياه “نهر الأردن”.


وكان الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش أحدث المكرَّمين من المشرق، إذ أطلقت بلدية باريس اسمه على ساحة صغيرة في الدائرة السادسة، المصنَّفة ضمن المواقع التاريخية، وذلك في حزيران/يونيو ٢٠١٠. تقع الساحة المتفرعة عن رصيف “مالاكيه” على نهر السين، قبالة متحف اللوفر وبجوار الأكاديمية الفرنسية العريقة.

وقد دشّن اللوحة برتران ديلانويه، عمدة باريس، الذي عبّر عن تأثره بشعر درويش، وخاصة قصيدته “إلى أمي”، التي تعكس توق الشاعر إلى استعادة أرضه ووطنه. كما نوّه بسماحة مشاعر درويش، مشيرًا إلى “صرامته واستماتته في الدفاع عن قضيته وحق شعبه في الحرية والاستقلال، من دون أن يشوبهما أي حقد أو كراهية عمياء للآخر”.

وقد أثار التدشين، الذي تم بحضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس، زوبعة إعلامية في حينه، إذ ربط البعض بين الحدث وبين تدشين ميدان يحمل اسم ديفيد بن غوريون، مؤسس دولة إسرائيل، في 15 نيسان/أبريل ٢٠١٠.

هذا الجدل دفع ديلانويه إلى نفي ما قيل عن نيته “تحقيق توازن”، وذلك ردًا على اعتراض جمعيات فلسطينية وفرنسية مدنية.

 “باريس المصرية” أو “مصر الصغرى”، كما تُعرف لدى العامة.

  
تحتل الأسماء المستوحاة من مصر الحصة الأكبر بين دول المشرق. ففي الدائرة الثانية، هناك ساحة وشارع وممر وغاليري مسقوف (على غرار سوق الحميدية في دمشق)، تحمل جميعها اسم “القاهرة”. أُقيمت الساحة عام ١٧٩٩، أي بعد عام من احتلال الجيش البونابرتي للقاهرة في تموز/يوليو ١٧٩٨.


كان هذا النصر وقتذاك مصدر حماسة عارمة في باريس وبداية ولع غربي بمصر القديمة، لم يخفت منذ حملة نابليون على بلاد النيل، ولا يزال قائمًا حتى اليوم. في الساحة، لا يزال مبنى يحمل الرقم ٢ يشدّ فضول المارة، إذ تتجاور على واجهته الأمامية ثلاثة مجسمات لـ”حاتور”، إلهة الاحتفالات والحب عند الفراعنة، يكللها إفريز من النقوش الفرعونية والكتابات الهيروغليفية وزهور اللوتس. وتكون الساحة في أبهى حلّتها خلال الربيع والصيف، حين تزهر أشجارها من الفصيلة الصابونية الشهيرة (التي تُستخدم قشورها وثمارها في صناعة الصابون، وهي ذات منشأ شرق آسيوي)، فتعلو أغصانها في سماء الساحة، مانحة المكان سحرًا فريدًا لا مثيل له في أي ركن آخر من العاصمة.


تُصنَّف هذه الواجهة، التي استوحى تصميمها المعماري الفرنسي “برتييه” من الطراز الهندسي لبيت مصري في الكرنك، ضمن الإرث التاريخي الباريسي. وهي مملوكة للدولة الفرنسية التي تتولى الحفاظ عليها وترميمها وحماية معالمها، على الرغم من أن المبنى نفسه ملكية خاصة، ويضم في داخله فندقًا مصنَّفًا بنجوم أربعة وفق التصنيف السياحي للمدينة.

أما ممر القاهرة، فيضم الغاليري الذي يحمل الاسم نفسه، وهو عبارة عن معرض تجاري ضخم يشبه “المول” في أيامنا هذه. وقد شهد الممر ازدهارًا كبيرًا بعد إنشائه، إذ كان يقصده الباريسيون للتنزه والتبضع من مخازنه الحديثة، التي كانت متقدمة على غيرها في ذلك الزمان، بفضل سقفه الزجاجي الممتد على طول 370 مترًا. وقد أتاح هذا التصميم للباريسيات الأنيقات فرصة التسوق وقضاء وقت ممتع بعيدًا من المطر ووحل الطرقات وضجيج عربات الخيل، التي كانت وسيلة النقل الأساسية آنذاك. وليس من المبالغة القول إن هذه المعالم، في وسط باريس في ذلك الزمن، كانت أشبه بما يمثله حي الشانزليزيه اليوم من حيث الرفاهية والحداثة.


ومن ساحة القاهرة، تتفرع خمسة شوارع مصرية الهوى، وهي: شارع القاهرة، وشارع الإسكندرية، وشارع دمياط، وشارع أبو قير، وشارع النيل. وبينما أُطلقت أسماء الشوارع الأربعة الأولى تيمنًا بالفتوحات البونابرتية في مصر، فإن شارع النيل يختلف في دلالته، إذ تتجاوز تسميته حدود مصر، لتخلد أكبر نهر في إفريقيا. وهذه عادة متبعة في فرنسا، حيث تُطلق أسماء أنهار أجنبية، مثل الدانوب والنيجر والفولغا، على بعض شوارع العاصمة.


ورغم أن هذه التسميات قاومت وطأة الزمن، فقد اختلفت أنواع الحرف والمهن التي تُمارس داخل الشوارع والأزقة الضيقة لهذا الحي الباريسي، الذي حافظ على طابعه القديم، كما اختلف رواده. فساحة القاهرة، التي كانت في الماضي مرتعًا لعاملات باريسيات يندفن قطن الأفرشة ويتندرن هامسات بالقصص الحميمة عن مشاهير تلك الأيام، تحولت إلى ساحة للعمال المياومين الذين ينتظرون فرص العمل، وللحمالين الذين يحملون سلالهم الكَرَاجَة الجاهزة في أي لحظة لتحميل ونقل ما يعجز عن حمله زبائن السوق. ويُذكر أن معظم تجار الحي ما زالوا يبيعون بالجملة، مع بعض الاستثناءات.


وتحول ممر القاهرة من مركز لحرفيي الطباعة الفنية الأكثر شهرة إلى سوق لتجارة الألبسة وتجهيزات المحال، لا يرتاده إلا تجار الجملة وصناع هذه المهن. ولم يبق من شهرة هذا الحي “المصري”، إذا جاز التعبير، إلا شارع أبو قير، حيث تتمركز محال الألبسة الجاهزة والإكسسوارات ولوازم الأناقة التي تبيع بأسعار قريبة من أسعار الجملة، مما يجذب إليها العديد من الأنيقات اللواتي يبحثن عن تجدد الأزياء ورخصها في الوقت ذاته.


رموز مصرية أخرى تحتفي بها شوارع باريس، منها شارع الدلتا في الدائرة التاسعة عشرة الذي ما زال شاهدًا على تسميات درجت مطلع القرن التاسع عشر بفعل الهوس النابليوني بمصر. وهناك أيضًا شارع فيلا سعيد، وهو طريق خاص في الدائرة السادسة عشرة، يُكرّم سعيد باشا، الابن الرابع لمحمد علي باشا الذي حكمت عائلته مصر منذ ١٨٠٥ حتى ١٩٥٢، وكان الملك فاروق آخر ملوكها. وجاء هذا التكريم لسعيد باشا من قبل مقاول فرنسي بمثابة شكر وتقدير للباشا على دعمه لمشروع “فردينان دو ليسبس” بشق قناة السويس، الإنجاز الضخم الذي يبقى في ذاكرة مدينة باريس من خلال شارع السويس ١٨٨٤ وزقاق السويس ١٨٨٩ في الدائرة الثامنة عشرة.


ويستمر حضور مصر أيضًا قرب متحف اللوفر، حيث يقع شارع وساحة “البيراميد” اللذان يخلدان نصر بونابرت على المماليك قرب أهرامات الجيزة في ٢١ تموز ـــ يوليو ١٧٩٨. ويُذكّر التجوال في الشارع بمصر الفرعونية، فهناك مقهى ومطعم الأهرامات، وهو فرنسي الوجبات، إلى جانب محال للتحف والهدايا تحمل الاسم نفسه. ومن على أرصفة ساحة الأهرامات، يستطيع المتنزه رؤية مسلة “ساحة الكونكورد” التي أهداها محمد علي لنابليون الثالث عام ١٨٣١، والتي يصنفها المعجم التاريخي لشوارع باريس كـ “أقدم نصب أثري في المدينة”، إذ يرجع تاريخها إلى القرن الثالث عشر قبل المسيح.

وكانت أم كلثوم، سيدة الغناء العربي، قد أصرت في حديث شهير لها مع صحفي فرنسي، سألها عن مشاعرها وهي تتنزه حول مسلة الكونكورد، فأجابته قائلة: “الله… هو حضرتك بتقصد مسلة الأقصر؟ مش كده يا أفندم؟”


مراجعة الذاكرة


على الرغم من تمسك فرنسا الشديد بذاكرتها وماضيها الكولونيالي وافتخارها بثورتها الجمهورية وبالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإن بعض المؤرخين والتيارات السياسية تنتقد هذا الماضي وتطالب بمراجعته، كما هي الحال في وصف فترة اليعاقبة ١٧٩٢ ـــ ١٧٩٤ بالإرهاب، في حين يعتبرها اليسار الراديكالي حقبة ثوروية مضيئة. وهذا ينطبق أيضًا على بعض التسميات المتعلقة بمنطقتنا. فقد رأينا كيف فرض التيار الشيوعي واليساري في بلدية باريس اسم المناضل التاريخي المهدي بن بركة على ساحة وسط الحي اللاتيني الشهير، غير عابئين بالعلاقات الرسمية الفرنسية المغربية. مثال آخر فرض نفسه آواخر عام ٢٠٢٣ في حرب الذاكرة حين بحثت بلدية باريس مشروع قرار لإزالة اسم المارشال بيجو عن جادة كبرى في الدائرة السادسة عشرة، وذلك جراء ضغوطات مارستها جمعيات وشخصيات تُذكّر بتاريخ هذا العسكري الدموي الذي خنق جزائريين لجأوا إلى المغاور والكهوف الجبلية، ومارس سياسة الأرض المحروقة تحت شعار فرض الاستسلام على أهل الجزائر.

وفي السياق نفسه، وبينما كانت مدينة تول الفرنسية تقيم تمثالًا للجنرال الكولونيالي الجلاد مارسيل بيجار في نهاية العام الماضي، بادرت بلدية باريس إلى تثبيت لوحة في شارع “الأغواط” في الدائرة الثامنة عشرة تذكر بمذبحة مدينة الأغواط التي ارتكبها الجيش الفرنسي في العام ١٨٥٢، وراح ضحيتها ثلثا أهل المدينة.


يقرأ الفرنسيون تواريخ بلادهم ليس فقط في كتب التاريخ الرسمية، بل أيضًا في لوحات شوارعهم. قد تميل غالبية الناس إلى تقديس ماضيهم بكل ما فيه من حلو ومر، لكن من حسن الحظ أن بعض المؤرخين المنصفين وبعض الجمعيات المدنية ترى أنه من العار الافتخار بأسماء قتلة وجلادين من بني جنسهم الذين أدوا أدوارًا قميئة جديرة بالإدانة والتشهير. وهذا لا يقتصر على تسميات الشوارع العربية فقط، بل يشمل ماضي فرنسا الاستعماري في كل مكان.

نايلة ناصر

كاتبة وباحثة لبنانية - باريس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى