عالَم الشعر عند أدونيس
تتغذى شعرية أدونيس من كل التحولات الإبداعية التي حدثت في الشعر العربي قبل الإسلام وبعده، بالقوة التي تستمدها من اللغة العربية باعتبارها لغة الوثنية متمثلة في الشعر ما قبل الإسلام، ولغة الوحي الإلهي متمثلة في الشعر ما بعد الإسلام. هذه التحولات التي مرّت عبرها اللغة العربية، لها دور مهم في تكوين شعرية أدونيس، الأمر الذي جعله يحظى بقراءة نقدية مهمة للشعر العربي قديمه وحديثه.
يرى أدونيس أن الشعر العربي قبل الإسلام يتسم بالحيوية والتجدد، في الوقت الذي فقد حيويتَه وجعل من الشعر أداة للدعاية والتفسير تحت سيطرة قوّة مهيمنة حدّدت للشعر حدودًا ثابتة، مما جعل القصيدة العربية تبتعد عن نفسها وجوهرها الحقيقي، على عكس ديناميكية الشعر العربي قبل الإسلام التي ارتبطت بشكل مباشر بالحياة اليومية للعرب وبسلوكهم العفوي، باعتباره شعرًا حركيًّا يتردد صداه مع هذه السمات. لذلك فإن القديم والجديد في الشعر العربي ليسا مفهومين زمنين، بل لهما علاقة بالثبوت والإبداع. فالنص الثابت ماضويّ ومنغلق له حدود، سواء كان جديدًا أو قديمًا من الناحية الزمنية. أما النص الإبداعي فهو نص منفتح لآفاق مختلفة، صالحة لقراءات متعددة وبالتالي لخلق جديد من قِبل كُتّاب أو قرّاء جدد.
ساهم أدونيس في توجيه الشعر العربي الحديث منذ البداية من خلال لغته الشعرية المتميّزة التي يحمّل على عاتق القارئ أن يجاهد لإعادة خلق المعنى مع الشاعر. إذ أنه يعتقد أن الشعر يجب أن يُخرج القارئ من أنماط التفكير المعتادة بكل معنى الكلمة، ويقوده إلى تفكير جديد وآفاق خلّاقة ونقد صادم. ويُعتبر النص الأدونيسي بمثابة تطبيق ميداني لهذه المقاربة النظرية للشاعر.
أقوم في هذا المقال بالتطرق إلى عالَم الشعر عند أدونيس انطلاقًا من دواوينه التي ترجمتها إلى اللغة التركية وهي: هذا هو اسمي، وشهوة تتقدم في خرائط المادة، واحتفاء بالأشياء الغامضة الواضحة.
يبدأ ديوان “هذا هو اسمي” الذي يتضمن قصائد طويلة تحت عنوان “مقدمة لتاريخ ملوك الطوائف” و”هذا هو اسمي” و”قبر من أجل نيويورك”، برثاء يافا التي كانت العاصمة الثقافية لفلسطين قبل احتلالها من قبل إسرائيل التي غيرت معالم المدينة، من خلال سياسات التهويد كما هو الحال في بقية المناطق المحتلة. ينتقد أدونيس العرب والدول العربية بسبب سياساتها الفاشلة من الأمس إلى اليوم الحاضر، فيقول:
“وجه يافا طفلٌ هل الشجرُ الذابل يزهو؟ هل
تَدخل الأرض في صورة عذراء؟ من هناك يرجّ
الشرق؟ جاء العصف الجميلُ ولم يأتِ الخرابُ الجميلُ”
(الأعمال الشعرية الكاملة 2، هذا هو اسمي، ص. 413)
“قتلتِني قتلتِ أغنياتي
أأنتِ مجزرَهْ
أم ثورةٌ؟
أحارُ، كلّ لحظةٍ أراكِ يا بلادي في صورةٍ…
وعليٌّ يسأل الضوءَ، ويمضي
حاملاً تاريخَهُ المقتولَ من كوخٍ لكوخٍ:
“علّموني أنّ لي بيتًا كَبَيْتي في أريحا
أنّ لي في القاهره
إخوةً، أنّ حدودَ الناصره
مكّةٌ.
كيف اسْتَحالَ العلمُ قيدًا
والمدى نارَ حصار، أو ضَحيّهْ؟
ألهذا يَرْفضُ التاريخ وجهي؟
ألهذا لا أرى في الأفْقِ شمسًا عربيّهْ؟”
(الأعمال الشعرية الكاملة 2، هذا هو اسمي، ص. 417)
كما ينتقد الشاعرُ بلغة شعرية دراماتيكية عنيفة مواقفَ الشعوب العربية تجاه بعضها من خلال سرد مقتل علي بن أبي طالب، ويؤكد من خلال أريحا والقاهرة والناصرة ومكة على انقسام الشعوب العربية ذات الهوية نفسها، وتمزقها التاريخي، ومعاناتها وأسرها داخل حدود مصطنعة، وعدم اكتراثها بمآسي بعضها. ولا يرى الشاعر أي علامة على التغيير في هذا الموقف، فيشعر بألم عميق حيال ذلك.
يواصل الشاعر تأكيده على الجُرح العربي في قصيدته “هذا هو اسمي” حيث يكرر قضية الغربة والمنفى كأسلوب “لايت موتيف” لشدّ نسيج الشعر والألم على حد سواء، إذ يستخدم أشكالاً شعرية مختلفة لتقوية المعنى تارة، وإبهار القارئ تارة أخرى، مع ترك الفجوات تارة أخرى لتوجيه القارئ إلى التفكير وإعادة خلق النص مع الشاعر.
وقد اختار الشاعر الغربة والمنفى لنفسه لدرجة أنهما أصبحا جزءاً من هويته الفكرية، في الوقت الذي أصبحت فيه المنطقة مسرحًا لموجات الهجرة وحروب إقليمية دولية سواء مباشرة أو من خلال وكلاء لتتحول إلى جرح لا يهدأ. يقول أدونيس:
“هذا زمنُ الموتِ، ولكن
كلّ موتٍ فيه موتٌ عربيّ
تسقط الأيام في ساحاتِه
كجذوع الأرزة المكتهلهْ”
(الأعمال الشعرية الكاملة 2، هذا هو اسمي، ص. 438)
“وطني راكضٌ ورائي كنهرٍ من دمٍ جبهة الحضارة
قاعٌ طحلبيٌّ لملمت تاجًا تقمَّصْتُ سراجًا هامت
دمشقُ حنَت بغدادُ سيفُ التاريخ يُكْسَرُ في وجه
بلادي”.
(الأعمال الشعرية الكاملة 2، هذا هو اسمي، ص. 439)
إن عبارة “سيفُ التاريخ يُكْسَرُ في وجه بلادي” قوية جدًا وذات مغزى كبير حيث تشمل بحد ذاتها تاريخَ منطقة جغرافية، والظلم الذي عانت منه، ووتيرة الغضب ضد هذا الظلم. وبذلك تُظهر قوةُ الشعر ونطاقُه قدرة الشاعر في تفسير التاريخ والظروف واستخدام الكلمات كما يستوجب سياق القصيدة وفحواها.
يُقيم أدونيس الذي اسمه الأصلي هو عليّ، روابط بين عليّ بن أبي طالب ومصيره. لقد قُتل عليّ فوق أرضه على يد ناس من دينه وشعبه جعلوه منفيًّا في وطنه. هذا المنفى لم يكن مصير شعب فحسب، بل مصير الشاعر أيضًا. المنفى ليس أن يكون الشخص بعيدًا عن وطنه فقط، بل يمكن أن يكون موطنًا لا يُفهم فيه المرء أو يتعرض لأشكال لمختلفة من الخيانة. وبهذا المعنى، فإن الشعوب العربية بأسماء مختلفة، والتي غالبًا ما تدخل في نزاع وتلتزم الصمت تجاه ظلم الآخَر وقمعه في حالات الصراع والاضطراب الذي تخلقه قوى عربية أو غير عربية، هي أيضًا في المنفى بالنسبة لبعضها البعض.
عندما استقر الشاعر في باريس عام 1983، دخلت مواضيع جديدة ومشاعر جديدة واهتمامات جديدة وانتقادات جديدة في قصائده. ربما يبدأ المنفى الحقيقي حيث لا تتحدث لغتك ولا تعيش ثقافتك. يقول أدونيس:
“حَدَث هكَذا ــ
سَكَاكينُ تَنْزلُ مِنَ السَّمَاء
الجسد يَرْكُضُ إِلَى الأَمَامِ، والرُّوحُ تَتجَرْجَرُ وَرَاءَهُ.”
(الأعمال الشعرية الكاملة 4، أبجدية ثانية، ص. 347)
يشير الشاعر بركْض الجسم إلى الأمام إلى التقدم والتطور وإجبار الشخص نفسه على ذلك. أما تجرجر الروح وراء الجسم فهو الرغبة في البقاء في المكان القديم والانتماء المعتاد. وديوانه المعنون “شهوة تتقدم في خرائط المادّة” الذي نُشر بعد أربع سنوات من استقراره في باريس، عمل مهم جدا من حيث المقارنة بين الشرق والغرب، وانتقاد الحضارتين بلغة شعرية حادّة، وعكس عالَم الشاعر الداخلي. هنا، يسأل أدونيس الذي أتيحت له الفرصة للانخراط في الفلسفة والشعر الغربيين، كيف يشرح للغزالي فلسفة نيتشه. بعبارة أخرى، إنه قلق بشأن ما إذا كان الشرق الذي له حقائقه ومقاربته وأساطيره، سيقبل هذه الفلسفة الجديدة للغرب، لأن التطور يتطلب الانفتاح على ما هو جديد والاستمرار من خلال تعزيز الراهن بالجديد، أذ يقول الشاعر:
“كَيْفَ أُزَيِّنُ لِلْغَزَالِي أَنْ
يُنَوِّر عَقْلَهُ بِضَوْء
نِيتْشه؟”
(الأعمال الشعرية الكاملة 4، أبجدية ثانية، ص. 352)
يتضح من هذه السطور أن الشاعر قد تأثر بشكل كبير بأفكار نيتشه لدرجة أنه يكتب في أسطر لاحقة ما يلي: “فيما أقرَأُ نيتشه وأحسَبُهُ طوفانًا”. نرى آثار اللقاء مع نيتشه في ذهن الشاعر الذي كان وثيق الصلة أيضًا بأعمال العديد من الشعراء والمفكرين الفرنسيين مثل ستيفان مالارميه وآرثر رامبو وماركيز دو ساد وجان جينيه، إذ يقول الشاعر:
“كَانَ الجِنْسُ يَأْخُذُ العَرْشَ،
كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ لاَفُونْتِين ذئَابٌ تَكْمُنُ لِطَرَائِدِهَا فِي فَرْوِ الكَلِمَات،
كَانَ مُتَشرّدون يَتَوَسَّدُونَ أَعْنَاقَ زُجَاجَاتٍ فَارِغَةٍ، ــ
بَعْضُهُمْ يَهْجُو مَالاَرْمِيه،
بَعْضُهُمْ يَحْلُمُ بِرَامْبُو،
وَبَعْضُهُمْ يَقْرَأُ المَرْكِيز دُوسَاد”
(الأعمال الشعرية الكاملة 4، أبجدية ثانية، ص. 353)
في هذه السطور وما يليها، يُلاحَظ أن الشاعر تعرض لصدمة ثقافية، وهو يراقب حركة التحرر الجنسي في أوروبا وأمريكا منذ الستينيات، مقارنة بالبيئة الاجتماعية والهيكل التقليدي للمجتمع الشرقي باعتباره مدافعًا للحداثة الفكرية والشعرية. يتأثر الشاعر من هذا البيئة القارئة الحرة من ناحية، لكنه يرتجف من سطحية العلاقات وبرودتها، من ناحية أخرى. أدونيس الذي يترنّح داخل ذاته مع هذا اللقاء، لا يكتب الشعر فحسب، بل يريد أيضًا أن تكون القصيدة التي كتبها خارطة طريق في الحاضر والمستقبل:
“لَمْ يَكُنْ وَارِداً أَنْ أُقَابِلَ رِيشَار قَلْبَ الأَسَد، أَوْ لوِيسَ الرَّابعَ عَشَر،
أَوْ حَتَّى نَابُّلْيُون. هَكَذَا وَجَدْتُنِي حُراً
أَلْبَسُ الضّبَابَ، وَأَسْتَمْتِــعُ بِرُؤيَةِ كِلاَبٍ تَفْتَرِشُ
نُهُودَ النِّسَاء.
لَكِنْ، لاَ أَذْكُرُ أَنَّنِي لَمَحْتُ نَجْمَةً وَاحِدَةً تَرْقُصُ أَوْ
تَقْرَأُ أَوْ تَمْشِي كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ النُّجُومُ عَادَةً فِي أَيَّامِ طُفُولَتِي،
كُنْتُ مُضْطَرّاً أَنْ أَتَخَيَّلَ نُجُومَ قَصَّابين وَأَنْ أَهْتَدِي بِهَا،”
(الأعمال الشعرية الكاملة 4، أبجدية ثانية، ص. 351)
نعرف أن قَصّابين هي القرية التي ولد فيها الشاعر وقضى فيها سنوات طفولته. يجري هنا لقاؤه الأول مع الشعر، حيث كان أبوه يتلو عليه قصائد من الشعر العربي الكلاسيكي. قريةُ قصّابين هي نجمته التي توجّهه. إذا ضاع في هذا الجو المغري غير المعتاد في باريس، فسوف ينظر إلى قريته ليجد طريقه.
تبدأ المقارنة عندما يتلاشى تأثير هذا اللقاء الأول وتبدأ ضبابية الرؤية بالتدريج في إفساح المجال للوضوح. يؤكد الشاعر على نوعين من الخطورة في الشرق والغرب: خطورة وقوف الشرق في طريق التطور العلمي، وخطورة عدم انضباط الغرب في ابتكاراته الصناعية والكيميائية، حيث يكتب بهذه البصيرة والقلق:
“الشَرْقُ جُرْحٌ وَلَمْ تَعُدِ السّياسَةُ إِلاَّ تَقَيُّحاً
لَكِنْ، سَتُمْطِرُ أَيْضاً فِي الغَرْبِ
سَتُمْطِرُ فَوْقَ بُيُوتٍ تَنْمُو فِيهَا أَعْشَابُ الدّيْزَل وَالأُورَانْيُومْ
وَسَوْفَ يَكُونُ المَطَرُ مُوحِلاً وَأَسْودَ.”
(الأعمال الشعرية الكاملة 4، أبجدية ثانية، ص. 355)
هذه القصيدة الطويلة التي تتضمن 17 فصلاً بأرقام رومانية تكشف عن المكان الذي يمر فيه الحاضر والأحداث والمواقف والآراء والأفكار والتناقضات وانعكاساتها في الشاعر. في هذا التدفق السريع حيث يحدث كل شيء بسرعة وينتقل إلى مكان جديد، يحاول الشاعر تحديد موقفه من الشرق والغرب وتحديد الجوانب الجيدة والسيئة فيهما. كما أنه يشعر بنوع آخر من المنفى بعمق أكبر في هذه الجغرافيا الجديدة التي لا تتحدث لغة أمه، لذلك غالباً ما يعرّف لغته وشعره على أنهما وطنه ويحاول بناء نفسه من جديد:
هُوَ ذَا أَنَا،
أَخْرُجُ مِنْ سُلاَلَتِي كَعِطْرِ وَرْدَةٍ
تَكَادُ أَنْ تَمُوتَ،
أَتَمَوَّجُ وَأَتَعَدَّدُ،
أَتَشَبَّهُ بِالنَّحْلِ وَأَصْنَعُ شَهْدِيَ الخَاصّ.
(الأعمال الشعرية الكاملة 4، أبجدية ثانية، ص. 373)
إنّ أدونيس الذي يتمتع بمستوى عالٍ من المعرفة بالثقافة والأدب العربي والشعر العربي، وبكفاءته في مجال الفلسفة والتصوف، يخلق معاني متعددة الطبقات في قصائده سواء على المستوى الفردي أو على المستوى الحضاري. إذا لمستَ النجوم، فأنت تريد مشاركة الغبار على أصابعك. يتكون ديوان “احتفاءً بالأشياء الغامضة الواضحة” من هذا النوع من القصائد على وجه التحديد. التعريف من خلال المعرَّف، فإعادة التعريف، فإعادة التعرُّف. هذا ما يجري في هذا الديوان. القصيدة الأولى في الديوان “احتفاء بهم”، هي ملخص لجغرافيا الشاعر، والمصير الطويل لشعبه. لهذا تتجول أصابع الشاعر في رماد الجغرافيا الذي لا يبرد أبدًا على جباه الموتى الدافئة:
“ما أسرعَ القذيفة إليهم،
غير أنها لن تَصل أبدًا.
*
أتقدّم نحوهم
بينهم امرأةٌ أحببتُها، ماتت.
بينهم طفلٌ يشبهني.”
(الأعمال الشعرية الكاملة 5، فهرس لأعمال الريح، ص. 7)
ثم يعود الشاعر إلى نفسه ويتتبع الآثار في جسده وذاكرته التي تضيق بين النسيان والتذكر، ولكن لا عزاء فيهما، لأن النسيان يعني أن ننسى، ليس الجغرافيا فقط، بل أيضًا أن ننسى الانتماء إليها وهويتها، وهذا غير ممكن. أما التذكر فعبارة عن تذكر الماضي، ثم الحاضر الذي لا يختلف عن الماضي بجروحه وآلامه. كلا الموقفين خانق بالنسبة للشاعر: جحيمان يأكلان بعضهما:
“يختنق حين يتذكّر
يختنق حين يحاول أن ينسى:
جحيمٌ يأكل بعضه بعضًا.”
(الأعمال الشعرية الكاملة 4، فهرس لأعمال الريح، ص. 9)
تحت عنوان “احتفاءً به”، نرى الشاعر يحاولُ التسلل إلى الريح من خلال تتبّع آثار البارود. الرّيح تعني الحرية والحكمة والإرادة للذهاب في رحلات إلى الأبد. يصف أدونيس في القصيدة جهودَه وكتبه وحقوله وأشجاره وفصوله الدراسية، ثم يُعيد القارئ إلى البداية، إلى أول سطرين من القصيدة:
“لا يزال يتعلّم كيف يرسم الفجر
سريرًا يتمدّد عليه.”
(الأعمال الشعرية الكاملة 4، فهرس لأعمال الريح، ص. 13)
يواصل الديوان بقصائد طويلة تتكون من ثنائيات وثلاثيات وأحيانًا رباعيات، تهدف إلى فهم الأشياء المتعلقة بالأرض والبشر وتعريفها وتحديدها من خلال مفاهيم أساسية، مثل النهار، الليل، الرياح، الأشجار، الوحدة، الحياة، الموت، الطفولة، الحب، والواقع. كل سطر في الديوان قطرات حكيمة مصفاة من قرص العسل كما يرد في السطرين التاليين: “أنا أتقلب وأتكاثر / أنا أقلد النحل، أصنع قرص العسل الخاص بي.” (الأعمال الشعرية 4، ص 131). وتتوقع القصائد من القارئ أن يقرأ قراءة مدروسة تحترم فحوى القصيدة ومعناها.
في الجزء الثاني من الديوان قصائد كتبها احتفاء بأبي تمام، وأبي نواس، والمعري الذين لهم اتجاه قوي في مواقفهم تجاه الشعر والحياة. وهنا تتضح الأسباب التي تكمن وراء قربه من هؤلاء الشعراء الذين كانوا “حداثيي” عصرهم، فهُمْ مِثله، باعتباره من أهم المنظّرين لحداثة الشعر العربي المعاصر، حيث يكتب الحداثي المعاصر للحداثيين القدماء ما يلي:
“كان شعركَ نبوءةً تتقدم خطواتك” (احتفاءً بأبي تمّام، ص. 95)
“تفاجئ وقتك دائمًا، – / لذلك، أنت جرحٌ دائم، / واسمكَ الفجر.” (احتفاءً بأبي نواس، ص. 104)
“ماضيًا، كنتَ أعمى / لكنك الآن، مستقبل، – / وها أنت تقرأ الدُّروبَ والفضاءَ، / وتقرأ الناسَ.” (احتفاءً بالمعرّي، ص. 114)، “قل الأموات يربّون الأحياء” (احتفاء بالمعرّي، ص 113).
ينتهي الديوان بعنوان “احتفاءً ببيروت -1982” تضم قصائد تصف مجزرة صبرا شاتيلا: “حروفٌ من السماء / تنطبعُ أشلاء على الأرض.” (احتفاءً ببيروت-1982، ص. 120)، “لا تقدر الشمس نفسها / أن تضيء هذا الجسد / الذي ينزف ظلامًا” (احتفاء ببيروت-1982، ص 120). هذا الجسد هو بيروت نفسها، والشمس لا تصل إلى بيروت بسبب دخان القذائف. القصيدة ليست ملخصًا لمجزرة صبرا وشاتيلا فحسب، بل هي أيضًا ملخص للمنطقة.
ينتهي الديوان بالسطرين التاليين: “خذْني يا حبُّ / وأطبِقْ عليَّ” (احتفاء ببيروت-1982، ص 123). هذه الرغبة مفهومة في عالم نسجه العنف عبر العصور.
إنّ الحب الأيروسي والحب الصوفي يتداخلان عند أدونيس، وليس من السهل التمييز بينهما. إنها لغة ترجع إلى نفسها في نهاية المطاف بحالاتها وتجلياتها المختلفة. لغة أنثوية استفزازية ساحرة. هذه اللغة التي تحيا بين الشعور والروح، تحملها مرايا مجازية تواجه بعضها، لدرجة أن اللغة “تتجسد” والكتابة تسقط من القلم حسب جدلية شعرية أدونيسية:
“هكذا – في عناق الطّبيعة والطَّبْع، نعصف أو نهدأ
لا قرار، ولا خِطَّةٌ، – عَفْوَ أعضائِنا،
ننتهي، نبدأ.
جسدانا
كوكبٌ واحدٌ.
نتبادَلُ أحزانَنا
نتبادل أحشاءَنا،
جسدانا دَمٌ واحدٌ.”
(أول الجسد آخر البحر، ص. 27)
يتجلى الحب كذاكرة اللغة في شعر أدونيس، حيث يأخذنا إلى ألحان صافو الرعوية، وأغاني أوفيد، والشعر العذري والشعر الصوفي، فضلاً عن شعر بودلير ومالارميه والعديد من الشعراء. وهو الذي يضيف صفحة جديدة إلى كتاب الحب بصورة متواصلة، تاركًا الباب مفتوحًا للآخرين.
وأخيرًا، يمكننا سرد الملامح العامة لقصيدة أدونيس التي قمنا بفحصها بناءً على دواوينه التي ترجمتُها إلى اللغة التركية على النحو التالي: رحلة مستمرة إلى المجهول، إبداع الفرد هو المرجعية الوحيدة، قصيدة تطرح أسئلة دون أن تتيقن، قصيدة متعددة الأصوات، وقصيدة مبنية على الاحتمالات.





