في أصل الأسطورة: بين الاتجاه التاريخي والنفسي
تختلف الأسطورة عن الخرافة؛ فلئن كانت الخرافة تعتمد على الخيال الصرف دون أي مرجعية واقعية، فإن الأسطورة تنطلق من أصل موجود في الواقع، وتعيد إنتاجه بإضفاء لمسات خيالية عليه.
وظهرت الأسطورة مع نضج الإنسان نفسيًّا وعقليًّا، وحاجته إلى فهم الكون من حوله وصياغة إجابات عن تساؤلاته. يقول فراس السواح في كتابه مغامرة العقل الأولى:
“جهد الإنسان منذ البداية لاكتشاف العالم والبداءات والنهايات، وشغلته الغايات والغايات، وكانت وسيلته إلى ذلك مرتبطة بالمرحلة التاريخية لتطوره نفسيًّا وعقليًّا”.
إذن، الأسطورة انعكاس لهاجس الإنسان للمعرفة وخوفه من المجهول، وأسلوبه في التعامل مع الطبيعة وظواهر الكون المختلفة. وهي، بالإضافة إلى ذلك، وعاء للفكر الإنساني المبكر الذي انبثق عنه الأدب والفلسفة والفن والطقوس.
لقد اختلفت تعريفات الأسطورة بحسب تعدد الاتجاهات. فيعرّف يوهيميروس الأسطورة بأنها “تاريخ في صورة متنكرة”، ويرى كسينوفانس أنها “حكايات القدماء والدين”. أمّا ماكس مللر فيرى أنها تصوير لفترة من الجنون الذي كان على العقل البشري اجتيازها.
في أصل الأسطورة:
اختلف العلماء والباحثون في أصل الأسطورة باختلاف اتجاهاتهم وتنوع نظرياتهم، إذ برزت نظريات عدّة تناولت الأسطورة من زوايا متعددة.
الاتجاه التاريخي:
هو أحد أقدم الاتجاهات التي حاولت أن تعطي نظرية لأصل الأسطورة تعود بدايته إلى المدرسة اليوهيميروسية، نسبة إلى هيميروس الإغريقي (القرن الرابع والثالث قبل الميلاد)، الذي حاول أن يثبت أن جميع الأساطير القديمة هي أحداث تاريخية حقيقية، وأن الآلهة ليست إلا كائنات بشرية كان لها امتيازات، فألّهها الناس بعد موتها.
ويعتبر أصحاب الاتجاه التاريخي أن الأساطير وثائق تاريخية مبكرة وقع تحريفها وتشويهها مع مرور الزمن، حتى اتخذت شكلها الخيالي. إذن، الأسطورة ليست نتاج الخيال المحض، وإنما انعكاس لأحداث واقعية ترجمها الإنسان بهذا الشكل. ويؤكد رينان أنه لم توجد حادثة تاريخية إلا وتناسلت عنها مجموعة كبيرة من الأساطير المختلفة، مثل أساطير الطوفان والدمار بالنار السماوية، وما يفسّر تكرار هذه الأساطير لدى شعوب العالم هو دليل على تجارب مشتركة مرّ بها الجنس البشري في طفولته المبكرة.
الاتجاه النفسي:
ظهر التفسير النفسي للأسطورة في القرن العشرين مع نظريات التحليل النفسي. يرى فرويد أن الأسطورة تشبه الحلم؛ فكلاهما نتاج لعمليات نفسية لاشعورية تتجاوز حدود الزمان والمكان. كما يرى أن الدافع خلف إنشاء الأساطير لدى الإنسان هو الاضطرابات النفسية، كالعصاب الهستيري أو رهاب الحيوانات. وتنشأ الأسطورة، حسب فرويد، من شعور فردي يهدف إلى إرضاء عناصر مكبوتة داخله، غالبًا ما تكون ناتجة عن الدوافع الجنسية.
أمّا كارل يونغ فقد اتبع منهج فرويد في اعتبار الأسطورة نتاج اللاشعور، إلا أنه يختلف عنه في أن اللاشعور الذي تنشأ عنه الأسطورة هو لا شعور جمعي للبشر، لا فرديّ، وهو مخزون رمزي مشترك تتوارثه الجماعات الإنسانية عبر الأزمنة.
يسلط كل من الاتجاه التاريخي والاتجاه النفسي الضوء على حقيقة الأسطورة فالتفسير التاريخي.
يضعنا أمام التجربة الإنسانية الأولى وما شهدته من حوادث كبرى عجز العقل البشري عن الصمت أمامها، فبدأ ينسج الحكايات حولها، ويضفي طابعا خياليا على كل ما لم يدركه عقله ومع التكرار يتعمق الجانب الخيالي اللامنطقي لتتخذ الأسطورة شكلها الحالي.
بينما يكشف التفسير النفسي الدوافع الداخلية لإنتاج الأسطورة، ويعتبرها رواسب اللاوعي فردياً أو جمعياً
غذاه خوف جماعي أو اضطرابات فردية.
ومن، ثم لا يتعارض هذان الاتجاهان، وفي الواقع الاتجاهات كلها التي حاولت تفسير أصل الأسطورة كانت تضيء جانبا من جوانبها بوصفها فعلا اشتركت فيه البشرية تتداخل فيه عوامل تاريخية واجتماعية
لغوية ثقافية، رمزية ونفسية وهي معا تشكل أصل الأسطورة بحيث لا يمكن فهم هذا الفعل دون إطار تاريخي يحتويه أو ثقافة الشعوب التي أنتجتها.
فعلى سبيل المثال الأساطير التي تتحدث عن مخلوقات غريبة تسكن البحر، وتنتقم من البشر عادة ما تكون الشعوب المؤسسة لهذه الأساطير هي شعوب تسكن بجانب البحر. وأما المتعلقة بأحداث مثل القوى الخارقة هي ليست إلا ظواهر طبيعية مر بها البشر القدامى كالبرق والأعاصير والفيضانات.
إذن تظل الأساطير التي وصلتنا عن أزمنة سحيقة تبعد عنا ملايين السنين من بين أكثر الأشياء غموضا.
ليس فقط من غرابة الوصف أو المخلوقات؛ لأنه في النهاية كل إنسان يمكنه تخيل ما يريد من مخلوقات غريبة وأحداث أغرب، إلا أن المثير للاهتمام في الأساطير القديمة التي وصلتنا هي اكتمال الخيال البشري الشاعري في تلك الفترة المبكرة إلى جانب تكرر بعض من الأساطير بين شعوب لا تربط بينها لا جغرافيا ولا ثقافة على نحو يجعلنا نفكر في سر هذا الاجتماع المبكر بين الشعوب حول قصة جوهرية واحدة، وإن اختلفت طرق الصياغة.
وفي الختام، إذا كانت الأساطير الكبرى قد تكررت بين شعوب لا يجمع بينها لا لغة ولا ثقافة ولا أرض أفلا لا يحق لنا التساؤل: هل كانت تلك الأساطير القديمة أثرا منسيا لوحدة عاشها الإنسان في الأرض قبل أن تتفرق طرقه؟ أم وراء هذا التشابه صدى لأصل واحد لم نكتشفه بعد؟.





