السجال الهوياتي عند علي حرب: من تفكيك الأصوليات إلى إعادة إنتاجها
تبدو الكتابات الأخيرة لعلي حرب، وتحديدًا كتاباه “إنسانيتنا تفضحنا: نحن ضحايا مشاريعنا الأصولية” و “الأممية الشيعية إلى أين؟ كلمات تصنع الانهيار الحضاري”، نتاجًا مباشرًا للحظة سياسية وثقافية مأزومة أعقبت طوفان الأقصى وتداعياته على الساحة اللبنانية والإقليمية. ففي ظل دخول الحزب أتون الحرب، وتصاعد الخطاب حول النفوذ الإيراني، خرج المفكر بموقف انفعالي حاد صبّ فيه غضبه على المشروع الإيراني من جهة، وعلى الحزب والمقاومة من جهة أخرى، بل وعلى الإسلام ذاته كما بدا في كتابه إنسانيتنا تفضحنا.
فقد بدا المفكر، الذي عُرف طويلاً بقدرته على التفكيك الهادئ والقراءة المزدوجة للواقع والنص، يكتب هذه المرة تحت تأثير انفعال سياسي واضح، الأمر الذي جعل خطابه أكثر مباشرة وحدّة من المعتاد. ومع أن الكتابين يصدران بعنوانين مختلفين، إلا أنهما يلتقيان على مستوى المضمون والغاية؛ إذ يقدّمان نقداً حاداً لإيران والحزب، ويعمّمان حكماً واسعاً على الإسلام والمقاومة وسياقاتها الاجتماعية.
يصدر هذان الكتابان في سياق عربي لبناني مرتبك لم تنجلِ ملامحه بعد أحداث العامين ٢٠٢٣ و ٢٠٢٤ حيث تصدّعت السرديات الوطنية، واهتزت البنى الرمزية التي يعيش الناس داخلها. لم تكن الأحداث مجرد مواجهة عسكرية، بل صدمة ثقافية وشعورية هائلة أعادت تشكيل مواقف المثقفين. وما تكشفه القراءة المتأنية لهذين الكتابين هو أن علي حرب لم يقف خارج مناخ التوتر الذي ينتقده، بل انخرط فيه بحدة جعلت خطابه يتأرجح بين النقد والتناقض والتعميم.
أبرز هذه التناقضات يظهر في كتاب “الأممية الشيعية”. ففي الفصل الأول المعنون “الاختلاف هو الأصل” يكتب: (ما يحتاج إليه العرب هو التوقف عن الاعتقاد بأنهم يشكلون أمة واحدة متجانسة وموحدة. ناهيك بالذين يتحدثون عن شعب عربي أو وطن عربي.) هنا يقدم العرب بوصفهم جماعات متنافرة لا يجمعها إطار قومي أو موحّد، داعياً إلى تجاوز فكرة الأمة الواحدة. لكنه يعود في الفصل الحادي عشر “نقد الذات” ليقول: (ما أوجهه من النقد القاسي لإيران الخمينية، لا ينسيني نقدي لذاتي كعربي، لمصلحة إيران كدولة عريقة ذات حضارة راسخة.) فيستعيد هوية عربية شاملة، ويضع نفسه داخل هذه الهوية، ثم يربطها ضمناً بالإسلام حصراً، معتبراً العرب المتمسكين “بالحل الإسلامي” في طريقهم إلى المصير نفسه الذي يعزوه لإيران الرجعية. والغريب أن ما يقدمه في هذا الموضع بوصفه نقدا للذات لا يكاد يتعدى جملة واحدة سرعان ما يعود بعدها لمهاجمة إيران مجددا.
يتكرر التناقض حين يطالب بضرورة نهوض المثقفين من سباتهم النخبوي وإعادة النظر في علاقتهم بالجمهور والابتعاد عن احتقاره، فيقول إن المثقف العربي اعتقد طويلا أنه يفكر عن الناس، أو يحلم عنهم، بينما العالم يتغير بخلاف ما أراد له. ومع ذلك، حين ينتقل للحديث عن جمهور المقاومة، يتخلى عن هذا الخطاب النقدي البنّاء، ويصفهم ضمن فصل “الهمجية المعاصرة” بأنهم “قطعان” يفرحون بوقف إطلاق النار في ٢٧-١١-٢٠٢٤ ويعدّونه نصراً. وهذا الانتقال من نقد النخبوية إلى ممارسة النخبوية نفسها يعكس خللا عميقا في بنية خطابه. كما لا يختلف كتاب إنسانيتنا تفضحنا كثيرا في مضمونه، فهو ينتقل من الحديث عن الهمجية المعاصرة إلى وصف المقاومة بمفاهيم مثل التشبيح والتهويم والشعوذة من دون تحليل أو تفكيك للمخيال الاجتماعي الذي تستند إليه هذه الجماعة. وهو، الذي يدعو إلى الاعتراف والحوار والتداول وينتقد المعتقد الاصطفائي لدى الشيعة، يعمّم حكمه على الشيعة قائلاً إنهم وقعوا تحت “الجرثومة الأصولية والنرجسية الطائفية”، ويضيف أنّ “النرجسية الثقافية الهوياتية” تبلغ حدّ “الهذيان والجنون” لدى المقاوم الذي يعتبر الآخر “آثماً” إن عاش حياته بعيداً عن منطق الثأر. لكن هذه الانتقادات تعكس، بالمقابل، أنه هو نفسه يعيش نوعًا من تلك “النرجسية الثقافية الهوياتية” حين يعتبر أن التمسك بمفاهيم الشهادة وعاشوراء يجعل من الشيعي آثمًا. بهذا، يتحوّل خطاب حرب من نقد موضوعي إلى ازدواجية إنسانية: هو يدين الآخر لوقوعه في نرجسية هو في جزء منها يشاركها، لكنه لا يعترف بهذا البعد في نفسه، الأمر الذي يكشف عن غياب نقد ذاتي كامل، ويدعو إلى إعادة النظر في مدى صدقية دعوته إلى الحوار والاعتراف.
من هنا تظهر ضرورة قراءة البعد النفسي والثقافي للمعطيات التي يتناولها. فعلي حرب ينتقد مفاهيم الشهادة وكربلاء، ويعتبرها جزءا من العقل التعبوي الشيعي، لكنه يغفل أن هذه الرموز ليست مجرد أدوات بيد السلطة الدينية، بل تشكل بنية حماية نفسية داخل جماعة عانت على مدى عقود من أحداث صادمة متلاحقة، من الاجتياحات والتهجير إلى الاغتيالات والدمار والانفجارات. حادثة البيجر وحدها شكّلت صدمة جماعية هائلة تركت أثرًا يستحق دراسة متخصصة في علم النفس الثقافي. في مثل هذه السياقات تصبح الرموز الكبرى آلية لإعادة المعنى واحتواء الصدمة وتجنب الوقوع في العجز المتعلم أو الانهيار النفسي. لقد تحول المخيال العاشورائي إلى شبكة دفاع داخلي تساعد على استمرارية الجماعة وثباتها الوجداني، ولو جرى استثماره سياسيا على مستوى القيادة، فإنه بقي بالنسبة إلى الجمهور آلية مواجهة وصمود. والتعامل مع هذه البنية لا يكون بالسخرية منها، بل بفهمها وتفكيك آلياتها النفسية والرمزية وبناء أرضية بديلة قادرة على احتواء الجماعة إن طُلب منها أن تتخلى عن هذا المخزون التاريخي العميق.
تبلغ هذه المفارقة ذروتها في فصل “لبنان ومعضلته/المأزق والمخرج”، حين يصل إلى خلاصة مفادها “ضرورة ترك أهل المقاومة، ومن معهم لكي يحكموا وحدهم”. فكيف يمكن الجمع بين الدعوة إلى الحوار وبين الدعوة إلى العزل السياسي؟ وكيف يلتئم خطاب الاعتراف مع خطاب الإقصاء؟ إنّ سؤال التوافق بين هذه المواقف يبقى مفتوحاً أمام القارئ، ويشكّل أحد أهم مواضع التوتر في خطاب علي حرب.
في كتاب إنسانيتنا تفضحنا أيضًا، وفي فصل “التشبيح/ التهويم/ الشعوذة” وتحت عنوان “مشكلة المثقف”، يكتب حرب: (إن المثقف العربي الذي يتباكى على غزة لا يرى بأن لكل بلد عربي مصالحه وأمنه أو خصوصيته وظروفه، لأنه لا يرى إلا بعين إيرانية هي عين النظام، أو بعين فلسطينية هي عين حماس.) هنا يقع في التعميم ذاته الذي يدينه إذ يحوّل جميع المثقفين العرب إلى كتلة واحدة لا تبصر إلا من خلال منظورين فقط، من دون إدراك أن مركزية فلسطين لدى هؤلاء ليست ناتجة عن انخداع ولا عن عمى أيديولوجي، بل عن شبكة معقدة من الذاكرة الجماعية والتاريخ السياسي. واللافت أن علي حرب نفسه يعترف في مواضع أخرى بأنه انتقل من “تقديس” القضية الفلسطينية إلى نقدها؛ بسبب فقدانه الثقة بدعاة التحرير. فإذا كان هذا التحول الشخصي مشروعاً له، فلماذا ينكر إمكان وجود دوافع أخرى لمثقفين رأوا في فلسطين قضية مركزية؟ التناقض هنا لا يطال الموقف فحسب، بل آلية التفكير التي يعتمدها حرب في مقاربة مواقف الآخرين.
ويبدو أن علي حرب قد أمضى، شأنه شأن مفكرين كثر خرجوا من زمن الحرب الأهلية، سنوات طويلة يكرر ضرورة تغيير النظام من جذوره. لكن التحولات اللبنانية والعربية تشير إلى أن الراديكالية البنيوية لم تعد إطارا صالحا لتفسير الواقع أو تغييره. ربما صار الوقت للانتقال من خطاب الهدم الجذري إلى خطاب الفهم التحليلي، من البحث عن حلول شاملة سحرية إلى فهم الأسباب التي تجعل الأفراد يستمرون في دعم أنظمة مهترئة، بعيدا عن تفسير الأمر بأنه جهل أو انخداع. فالتغيير الحقيقي يبدأ من فهم البنى النفسية والاجتماعية التي تربط الناس بالسلطة، ومن تفكيك أنماط الهوية والصدمة والدوافع والخيارات التي تحدد علاقتهم بها. وليس القبول بالواقع دعوة إلى الاستسلام، بل دعوة إلى توسيع نطاق الفهم وتغيير منظار الرؤية للتعامل مع التعقيد بدل الاكتفاء بمنطق الإدانة والتجريم.
إن علي حرب، رغم مكانته الفكرية وأهمية مشروعه النقدي، يقع هنا في المأزق ذاته الذي يقع فيه كثير من المثقفين العرب، حين يتعاملون مع المجتمع بوصفه مادة للفحص لا شريكاً في التجربة الوطنية أو الإنسانية. فخطابه، وهو يرفع لواء العقل والنقد، يتحول أحياناً إلى سجل اتهامات سوداء تطال المسلمين عامة، والشيعة اللبنانيين خصوصاً، فيفقد بذلك المسافة النقدية التي يطالب بها الآخرون. وإذا كان يرى في هؤلاء “وحوشاً” ينبغي مقاومتها، فإن مقولة نيتشه تبدو كأنها خيط يربط كل هذه المفارقات: (كن حريصًا وأنت تصارع الوحوش، كي لا تصبح واحدًا منهم)





