العدد السادس عشر

قصة البابسة جان: أسطورةٌ هزّت التاريخ الكنسي

تظلّ قصة البابسة جان إحدى أكثر الأساطير إثارة في التاريخ المسيحي الأوروبي، لأنها لا تتعلق فقط بامرأة يُقال إنها اعتلت أعلى منصب ديني في العالم الكاثوليك، بل لأنها تكشف عمق الاضطرابات النفسية والاجتماعية التي عاشتها أوروبا في القرون الوسطى. فالرواية، مهما ابتعدت عن الحقيقة التاريخية، تعكس توترًا ظلّ قائمًا بين المؤسسة الدينية والهوية الأنثوية عبر القرون، وتكشف كيف يمكن لخيال شعبي أن يصنع حكاية تعبّر عن مخاوف المجتمع من اختراق امرأة لبنية سلطوية ذكورية مغلقة.

“حصلت هذه القصة أو الأسطورة ما بين سنة 855 و 858 م، أي بين ولاية البابا ليون الرابع والبابا بنوا الثالث”

تبدأ القصة بامرأة شابة من أصل ألماني أو إنكليزي، في القرن التاسع الميلادي، تظهر فيها ملامح ذكاء استثنائي وشغف كبير بالعلم في زمن لم يكن يسمح للنساء بالولوج إلى التعليم. ولأن الطموح المعرفي كان ممنوعًا عليهن، لجأت إلى التنكر بزيّ فتى ودخول إحدى المدارس الرهبانية حيث برز نبوغها بسرعة، فدرست اللاهوت والفلسفة واللغات القديمة، حتى أصبحت من ألمع طلاب زمانها. ومع مرور الوقت، انخرطت في السلك الديني متنكرة بهوية ذكورية، وتدرجت في المناصب حتى وصلت إلى روما، حيث أثارت إعجاب رجال الكنيسة بفطنتها وقدرتها على الخوض في أعقد المسائل اللاهوتية. ومن هنا، تقول الأسطورة إنها صعدت إلى العرش البابوي من دون أن يشك أحد في حقيقتها.

غير أن لحظة الانكشاف جاءت في مشهد بالغ الدراماتيكية، حين باغتتها آلام الولادة في أثناء موكب احتفالي، فسقطت أرضًا وسط جمع من المؤمنين، فانكشف سرّها وانهارت هويتها في لحظة واحدة. تذكر الروايات الشعبية أن الجماهير رجمتها حتى الموت، فيما تزعم مصادر أخرى أنها ماتت فورًا من النزف ليُدفن جسدها على عجل بأمر من رجال الكنيسة حرصًا على محو الفضيحة. وقد أعطت هذه النهاية القاسية للأسطورة رمزية كبيرة، لأنها جمعت بين حدث بيولوجي لا يمكن إخفاؤه وبين مؤسسة دينية اعتادت أن تحاصر حضور المرأة داخل حدود ضيقة.

ورغم غياب أي دليل تاريخي يؤكد وقوع هذه الحادثة، وانتفاء وجود أي فراغ في سلسلة البابوات يمكن أن تُدرج فيه شخصية جديدة، بقيت القصة حيّة لقرون. ويعود ذلك، على الأرجح، إلى المناخ الأوروبي في القرن الثالث عشر، حين ظهرت الرواية لأول مرة: فترة كانت مليئة بالانتقادات تجاه رجال الدين، وبالصراعات بين البابوية والإمبراطورية، وبالتوجس من تراجع هيبة المؤسسة الكنسية. في هذا السياق، بدت قصة امرأة تخترق البنية الذكورية للمؤسسة الدينية مناسبة تمامًا لإثارة الخوف والسخرية في آن واحد. وساعدت عناصر أخرى في تعزيز الأسطورة، مثل الإشاعة التي تقول إن الكنيسة خضعت البابوات لاحقًا لاختبار “الرجولة” عبر الجلوس على كرسي رخامي مثقوب، وهي فكرة لا سند تاريخيًا لها، لكنها تتغذى من وجود كراسٍ قديمة مثقوبة في بعض المتاحف.

ومع مرور الزمن، لم تعد قصة البابسة مجرد رواية تاريخية مشكوك فيها، بل أصبحت رمزًا ثقافيًا واسع الدلالة. فقد ظهرت في الأدب والفن، وتحوّلت إلى مرآة تُناقَش من خلالها قضايا المرأة والسلطة الدينية. فالمؤسسة الكاثوليكية لا تزال حتى اليوم تمنع النساء من الكهنوت، وهو ما أعطى قصة البابسة جان بُعدًا إضافيًا في النقاشات المعاصرة حول دور المرأة في الدين. وهنا تتجاوز الأسطورة حدودها لتطرح سؤالًا أكبر: لماذا ظلّت المرأة، عبر أغلب الديانات الكبرى، محرومة من تولّي المناصب الروحية العليا، رغم قدرتها على التعلم والإدارة والقيادة؟

إن الإجابة تتداخل فيها عوامل اجتماعية ولاهوتية وتاريخية. فقد تشكّلت أغلب الديانات الكبرى في بيئات سلطوية أبوية كانت تُقصي المرأة من المجال العام، وتضعها في أدوار محدودة داخل الأسرة. كما لعبت التفسيرات النصية التقليدية دورًا كبيرًا في ترسيخ هذا الوضع، إذ كانت القراءة الحرفية لبعض النصوص تتخذ ذريعة لحرمان المرأة من القيادة الدينية، حتى عندما لا يكون النص نفسه صريحًا في ذلك، بل يُترك للتأويل. وتضاف إلى ذلك الرمزية الجندرية التي تحملها بعض المعتقدات، حيث يُربط العمل الروحي الأعلى بالذكورة بوصفها امتدادًا لنموذج مقدّس أو أصل تأسيسي. ومع هذه العوامل مجتمعة، ظهرت خشية دائمة داخل المؤسسات الدينية من أن يؤدي تمكين المرأة إلى تغيير جذري في البنية التقليدية للسلطة الروحية.

لكن التاريخ الديني للبشرية ليس أحاديًّا، وهناك تقاليد روحية وثقافية منحت المرأة موقعًا رفيعًا في القيادات الدينية. ففي البوذية مثلًا، حصلت النساء في عدد من البلدان على مقام الراهبات ذوات السلطة الروحية، يقمن بالتعليم والتوجيه ويقدن الأديرة. وفي الهندوسية، برزت نساء يحملن لقب “غورو”، يشرفن على حياة روحية لجماعات واسعة، ويتمتعن بنفوذ روحي واضح. أما في ديانات شرق آسيا، كالشنتوية اليابانية والطاوية الصينية، فتوجد كاهنات لهن دور مركزي في الطقوس وقيادة المجتمعات المحلية. وفي ثقافات السكان الأصليين في أميركا الشمالية، قد تتبوأ المرأة منصب الشامان، وهو أعلى منصب روحي داخل القبيلة. ومع ظهور الديانات الوثنية الحديثة، وخاصة في الحركة الويكانية، أصبحت المرأة تُعتبر مركزًا للسلطة الروحية، وتشغل منصب “الكاهنة العليا” الذي يشكل قمة الهرم الديني هناك.

وبهذا، تبدو قصة البابسة جان، سواء كانت واقعًا أم مجرد اختراع مثالًا على قدرة الخيال على كشف التوتر بين سلطة تُبنى على الذكورية ومجتمع يسعى، ببطء، إلى توسيع دائرة المشاركة الروحية لتشمل المرأة. إنها أسطورة تُروى ليس لأنها حدثت، بل لأنها تعبّر عن سؤال ما زال حاضرًا حتى اليوم: ماذا يحدث حين تتحدى المرأة حدودًا فُرضت عليها باسم الدين، وتطالب بأن يكون صوتها جزءًا من القيادة الروحية للعالم؟

شادي منصور

المدير العام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى