العدد التاسع عشر

الأم الثكلى 

أكتبُ عنها وأنا أحسُّ بأنّي أعرف عنها الكثير، إذ لا تحتاجُ علاقتُنا بها لورقةِ إثباتِ نسبٍ، وليسَتْ قرابتُنا بها تستلزِمُ استحصالَ إخراج قيدٍ أو وثيقة تُختمُ من مأمورِ نفوس، فما يجمعُنا بها أعمقُ من أيّ صكّ.

بينَنا وبينَها ما لا تثبتُه شهاداتٌُ ولا دماء شجراتِ العائلة، بينَنا وبينَها أنْسابٌ منَ العشقِ والاحترامِ.

حين تُوفيت ليال بَكينا، حين غابَ هَلي تألّمنا، حين رحلَ زياد تفجّعنا!

ليسَ من أجلِهم فقط، بل من أجلِها، من أجلنا نحنُ، لأنّنا أيضًا من المفجوعين، والحدادُ قائمٌ في بيوتنا وكأنّنا من أهل العزاء، لأنّ من رحل يَخصُّنا كما تخصّنا والدتُه.. 

عظمتُها أنّها جعلتْنا نرسمُ في خيالنا حياةً كاملة لها، لتصبحَ رمزًا وطنيًا يَمسُّنا في انتمائِنا وهُويّتنا.

صوتُها وهيبتُها وهالتُها، أصبحوا جزءًا من مشاعرنا الخاصة، فلم نرَها كما هي، بل كما إحتاجناها أن تكون.

ببطولاتِها أو مآسيها أسقطْنا عليها رغباتِنا، جراحَنا وتصوّراتِنا عن القوّة، فألّفنا تفاصيلَ عنها، وكتبنا عنها حكايات كَيّ ينعكسَ بريقُها فينا، كيّ يصبحَ ألمُها صدى لآلامَنا، كي تشبهَ حقًّا الصورةَ التي نريدُ أن نراها بها، أسطوريّة!

كيف أعايدُها

كيفَ أعايدُ أمًّا رثَت أبناءَها؟ 

ماذا أقولُ لأمٍّ تَعدُّ أبناءَها في السماء بدلَ أن تجمعَهم حول مائدتها؟

كيف أجبرُ بخاطرِ قلبِها، وقد تحوّل إلى مقبرةِ أسماء؟

ماذا أقول لها؟ 

كلُّ عيد أمّ وأنتِ بخير؟ 

وأينَ الخيرُ في أن تدفنَ أمٌّ ثلاثةً من أبنائِها، وتزور مقابرَهم في الأعياد؟

 ماذا يعني أن ترى أجزاءً من قلبِك تُدفن، ليس مرّةً، بل ثلاث مرات؟

يعني أن تقامَ على روحك الصلاة ثلاث مراتٍ وأنتَ حيّ.

يعني أن تعيشَ، رغم أنّ قِطعًا من أوصالِك قد استلقَت تحتَ التراب.

ثمّ ماذا يعني أن تبقى قادرًا على الابتسامة في وجه من بقي، وتسندَ مَن ظلّ لك حتّى وإن لم يعوّض وجودُه أعلى درجات الفقد؟

في الطبيعة، يُشيّعُ الأبناءُ آباءهم. 

هكذا يفترض المنطقُ والحياةُ العمرُ والزمن.

لكن حين تقف أمٌّ أمام قبرِ ابنتها باكرًا ثمّ أمام قبر ولدَيها ينكسرُ المنطق.

ما اسمُها هذه الأمُّ التي تتحمّلُ كلَّ هذا الفقد؟

حتمًا لا تُسمّى باسمٍ واحد، هنا تنهزم البلاغةُ أمامَها.

 تُسمّى بالمفجوعة، هذه حالُها التي لا تقبلُ التجميلَ والمواربة!

تُسمّى بالثَّكلى، وهذا التفسير الدقيقُ في المعجم العربي للأمّ التي فقدت أبناءَها.

تُسمّى بالمُبتلاة التي اختبرتْها الدنيا بأقسى ما يمكنُ أن يُختبرَ به القلبُ.

تُسمّى بالصابرة الشامخة في وجه الحزن فلا دموعها تهزمُها، ولا وجعها يَحْنيها.

تُسمّى بالعظيمة، تُسمّى الجَليلة، تُُسمّى المُهيبة 

تُسمّى فيروز

كلُّ عيدٍ وأنتِ أمَّنا نحنُ، 

البارحة واليوم وَغَدًا…

شادي منصور

المدير العام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى