البيت الشعري مساحةً لردّ اللوم عند ثلاثة شعراء: تحليل ومقارنة
الشعر العربيّ العموديّ ضنينٌ بمساحته، وإن استطالت بعض بحوره نسبةً إلى أقرانها؛ فقلّما ينجز الشاعرُ بيتًا مُتقنًا، فضلًا عن قصيدة عالية، من غير تفكّرٍ وتعديلٍ واسترجاعٍ وتبديل. وهو، في ذلك كلّه، ينحت من الكلمات صورةً يجتمع فيها الهيكلُ المضبوط – أي الوزن والقافية – مع المعنى الصائب الذي يُبيّن مُراد صاحبه ويبلغ القارئ فيحرّك أحاسيسه ويحثّه على التفاعل.
وتكاد طُرق التعبير عن فكرةٍ أو موقفٍ من خلال بيت شعري واحد على بحر معيّن أكثرَ من أن تُحصى؛ غير أنّ تلك الطُرق لا تتساوى في مقدار شاعريّتها، ففيها الرديء، والعادي، والرفيع. ومن البديهي أنّ أكثر الشعراء براعة – ممّن يملكون عصا السبق – هم الأقدر على التحرّك في هذه المساحة الضيّقة بفاعليّة واقتدار، والخروج بالبيتِ الأجمل والأقوم. ولعلّ من الصواب القول إنّ سلوك كثير من الشعراء مسلكَ قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر عائدٌ إلى مساحتها الرحبة التي لا تستلزم القدر ذاته من الانضباط في الصناعة والدقّة في النحت، وذلك حديثٌ نتركه ليومٍ آخر، لعلّنا نُوَفَّق لبلوغه.
أمّا هنا، ففي حوزتنا منافسةٌ افتراضيّة بين ثلاثة شعراء تناولوا معنًى إجماليًّا واحدًا: الردُّعلى اللائم في الهوى، وصاغ كلٌّ منهم ذلك في بيتٍ واحد، على وزن البسيط ورويّ الميم المخفوضة. لقد تنافسوا، إذًا، في حلقةٍ واحدة، وإن باعدت بينهم الأزمنة، علمًا بأنّ كلًّا من هذه الأبيات مستلٌّ من قصيدة طويلة. يتيح ذلك مقارنةَ الأبيات وتبيّن مواطن الضعف والتفوّق فيها، بما يعزّز معرفتنا بتراثنا الشعريّ الغني وإمكاناته الواسعة. فإليك الأبيات الثلاثة مرتّبةً من الأقلّ عمقًا إلى الأعمق.
البيت الأول من قصيدة “البردة” للبوصيري[1] (ت 696 ه / 1295 م)
يَا لائِمِي في الهَوَى العُذْرِيِّ مَعْذِرَةً مِنِّي إليكَ ولَوْ أنْصَفْتَ لَمْ تَلُمِ
تتوزّعُ مساحةُ البيت على ثلاثةِ أغراض: مخاطبةُ اللائم في قوله:( يَا لائِمِي في الهَوَى العُذْرِيِّ)، ثم طلبُ المعذرة منه في قوله: (مَعْذِرَةً مِنِّيْ إلَيْكَ)، وأخيرًا تقديمُ الحجّة في قوله: (وَلَوْ أنْصَفْتَ لَمْ تَلُـمِ). وقد صُدِّر البيتُ والغرضُ الأوّل بالنداء، وهو أداةٌ تتولّى جذبَ الانتباه إلى المخاطَب وتُظهر موقعه في سياق اللوم، مقرونًا بتحديد موقف الشاعر الذي يجعل نفسه في موضع المَلوم.
ويلفتُ البوصيريّ هنا إلى صفة العُذريّة، مُفرِدًا لها حيِّزًا من مساحة البيت لأهميّتها في رأيه، غير أنّ هذا التفصيل يدفع إلى استحضار ما قاله الرافعيّ في “وحي القلم” ومن ثمّ كانت الفنون لا تُعتبَر بالأخلاق، حتى قال علماؤنا: إن الدين عن الشعر بمعزل … فالأصل هناك سموّ التعبير وجماله وبلاغة الأداء وروعته”.[2]. ” فهل كان البوصيريّ، وهو يركب سفينة الإبداع، محتاجًا إلى تأكيد عُذريّته ليبلغ شرف المعنى؟ الظاهر أنّه غيرُ محتاج إلى ذلك، وإن كان ذِكر العُذريّة قد يخدم الإيحاء بجَور اللائم وتَعسُّفه، حتى على مُحبٍّ التزم حدود الأدب.
بعد النداء، يَرِد طلبُ المعذرة بصيغة المفعول المطلق: “مَعْذِرَةً”، تعلَّق به شبهُ الجملة “مِنِّي إليك”. وفي ظنّنا أنّ هذا الجزء من البيت، وهو مُستعمَل لإيصال معنىً لا يَزيد على ما سيتولّاه الغرض التالي، يُعدّ موطنَ ضعف، إذ كان في مقدور البوصيريّ استثمارُ مساحته على نحوٍ أعمق.
ففي الغرض الثالث: “وَلَوْ أنْصَفْتَ لَمْ تَلُمِ” ما يُغني عن طلب المعذرة صراحةً؛ إذ إنّ وجود الإنصاف مُقتضٍ لامتناع اللوم، وهو عذرٌ كافٍ في ذاته، فلا يبقى كبيرُ جدوى لطلب المعذرة لفظًا. ثمّ إنّ البيت يخلو من صور البيان، ويغلب عليه طابعُ التصريح السهل المصوغ بلُغةٍ مهذّبة تُساير اللائم كما تُساير المعشوق.
البيت الثاني من قصيدة “نهج البردة” لأحمد شوقي[3] (ت 1868 ه / 1932 م)
يا لائِمِي في هَواهُ والهَوى قَدَرٌ لو شَفَّكَ الوَجدُ لم تَعذِلْ ولم تَلُمِ
يمكن تقسيمُ مساحةِ البيت إلى ثلاثةِ أغراض: مخاطبةُ اللائم في قوله: يَا لائِمِي في هَواهُ، ثم الحجّةُ الأولى في قوله: وَالهَوى قَدَرٌ، فـالحجّةُ الثانية في قوله: لَو شَفَّكَ الوَجدُ لَم تَعذِل وَلَم تَلُمِ. ومن خلال هذا التقسيم يتبيّن أنّ البيت أقوى بيانًا من سابقه، إذ يشتمل على دليليْن لإبطال دعوى اللائم، في موقفٍ أكثر صلابةٍ وتحدّيًا.
ينطلق شوقي في بيته انطلاقةً شبيهة بانطلاقة البوصيري، مُفيدًا من خصائص النداء التي تقدّم الحديث عنها، ثمّ يعقّب النداءَ بالحجّة الأولى: وَالهَوى قَدَرٌ. وهي حجّة قائمة على تشبيه بليغ يصوّر الهوى كقدرٍ محتومٍ لا مفرّ منه، مع ما في هذا القول من إثبات لمبدأ فلسفيّ هو القدرية؛ أي عدمُ تَملّك الإنسان حرّيته كاملةً، على الأقل في ما يتّصل بعاطفة الحبّ. وهكذا تجمع هذه الحجّة بين الجانب العاطفي الجمالي المستند إلى التشبيه، والجانب العقلي المتعلّق بفلسفة الحياة.
أمّا الحجّة الثانية: لَو شَفَّكَ الوَجدُ لَم تَعذِل وَلَم تَلُمِ، فلا تخلو بدورها من القوّة؛ إذ يضع فيها شوقي غريمَه في موقع المتَّهَم، بل المفتري الناطق بغير ما يعتقد. وكم هو جائرٌ مَن يُحمِّل غيره ما لا يطيق هو احتمالَه أو معايشتَه. وتلفتُ السمعَ والبصرَ لفظةُ “شَفَّكَ” بمعنى أنحلَ جسمَك؛ فهي كلمةٌ ذاتُ فصاحةٍ ورنين، تُضفي على البيت ثِقَلًا تعبيريًّا واضحًا.
فهاتان الحجّتان جعلتا مساحةَ البيت مستثمَرةً على نحوٍ أفضل من بيت البوصيري، مع الاعتماد على تشبيهٍ بليغ ولفظةٍ عالية (شَفَّكَ)، ومقارَبةٍ ذات طابعٍ فلسفي. غير أنّ المأخذ يتمثّل في تكرار معنى اللوم بإيراد “لَم تَعذِل” معطوفةً بالواو على “لَم تَلُمِ”، من غير أن يضيف ذلك جديدًا إلى المعنى. وقد قال أبو هلال العسكري: “ويُعطف الشيء على الشيء وإن كانا يرجعان إلى شيء واحد إذا كان في أحدهما خلاف للآخر؛ فأمّا إذا أُريد بالثاني ما أُريد بالأوّل، فعطف أحدهما على الآخر خطأ”[4]. ولعلّه كان ممكنًا إسقاط الفعل الأوّل لصالح عنصرٍ لفظيّ أو إيقاعيّ أكثر أثرًا.
البيت الثالث من قصيدة “يا ليلة السفح” للشريف الرضي[5] (ت 406 ه / 1015 م)
أقولُ لِلّائِمِ المُهدي مَلامَتَهُ ذُقِ الهَوى وإنِ اسطَعتَ المَلامَ لُمِ
تنقسم مساحةُ البيت إلى غرضين رئيسين: مخاطَبةُ اللائم في صدره: (أقولُ لِلّائِمِ المُهدي مَلامَتَهُ)، ثم الحجّةُ المقرونةُ بالتحدّي في العجز: (ذُقِ الهوى)، يَلِيها البرهان المتّصل عبر واو العطف: (وإن اسطعتَ الملامَ لُمِ).
يستند بيت الرضي منذ مطلعه إلى موقف قوي مواجِه بواسطة الفعل “أقول”، حيث يَشْخص الشاعر بجرأةِ المخاطِب الناطق بالحق كما يراه، لا المناجي المتضرع. تاليًا، فإن سائر مساحة البيت مطبوعة بحضور الرضي في المقام الأول، وإليه تُنسَب بقية العناصر الشعرية بواسطة تصريحه الابتدائي. حين يصل الرضي إلى ذكر اللائم، نجد الأخير في مقام الخفض متعلقًا بالفعل أقولُ، ما يُظهِر ضعف منطقه.
وتتوالى بعد ذلك صورتان استعاريتان متينتان:
“المُهدي مَلامَتَهُ” و”ذُقِ الهَوى”، فالملامة تصير في نظر الشاعر هدية، ما يتضمن معنى الاستهزاء والاستغناء معًا، فيما يتصل تذوُّق العذاب بكثير من الآيات القرآنية من قبيل: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (آل عمران/181) و﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (الدخان/49)، وفيها دلالات مختلفة أبرزها قوة التعبير من خلال فعل الأمر، وعدم قدرة العاشق عمومًا على تحمُّل الهوى الأقرب إلى العذاب، ومخاطبة اللائم كأنه الجاني المستحق للعقاب بصورة شبيهة للخطاب القرآني للخاطئين المستحقّين القصاص.
ينتقل البيت بعد التحدي إلى البرهان (وَإِنِ اِسطَعتَ المَلامَ لُمِ) المقدَّم بلهجة حاسمة قاطعة توحي بها لفظة “اسطعتَ” التي حُذِفت منها التاء، فخدمت غرضين هما الحفاظ على الوزن وإبراز الحزم، ما يمثل استثمارًا فاعلًا لمساحة البيت. بذلك يغدو عجز البيت على درجة عالية من القوة الإيقاعية والمعنوية بفعل الأمر “ذُقْ” والحذف “اسطعتَ”.
نرى إذًا أن الرضي وظف مساحة البيت بشاعرية عالية لا يصل إليها البيتان السابقان، جامعًا صلابة الموقف والحجة، وروعة البيان وعمقه، والدلالة القرآنية، فضلًا عن انعكاس كل ذلك على المستوى الإيقاعي.
خلاصة المقارنة
يمكن القول إنّ البوصيري قدّم خطابًا مهذّبًا واضحًا، وشوقي أضاف حُججًا وصورًا أقوى، أمّا الشريف الرضي فاستثمر مساحة البيت بأعلى درجات البلاغة: موقفًا وحجّةً واستعارةً واقتدارًا إيقاعيًّا. لذلك جاء بيتُه الأكثر عمقًا وقوّةً في هذه المنافسة الافتراضيّة.
[1] شاعر مصري اشتهر بمدائحه النبوية.
[2] الرافعي، مصطفى صادق، وحي القلم، المكتبة العصرية، بيروت: ط1، دون سنة طبع، ج1، ص 47.
[3] كاتب وشاعر مصري ملقب بأمير الشعراء، ومن أهم الشعراء العرب عمومًا.
[4] العسكري، أبو هلال، الفروق اللغوية، تحقيق حسام الدين القدسي، مكتبة القدسي، القاهرة: ط1، 1353 ه، ص 11.
[5] محمد بن الحسين، أديب وشاعر وأحد أهم علماء بغداد، ومن أبرز مَن جمع خطب الإمام علي في “نهج البلاغة”.





