العدد العاشر

كمال جنبلاط كتابًا – إغراء السيرة

“في هذا الكتاب، لا نبحث عن كمال جنبلاط. بل ندخل إليه، كما يدخل مبضع في جرح قديم. أو كما يفتح باب لا يؤدي إلى الخارج، بل إلى طبقات أعمق من الداخل. ليس هذا سيرة، بل تنقيب في الرأس الذي حلم بكل شيء دفعة واحدة….

هنا نقرأه…  في تموجاته الروحية… في عناده الذي قاده إلى الرصاصات… كمن يربي موته…

 الرحلة لا تنتهي عند الاغتيال بل تبدأ منه…”

ليست كتابة السيرة نمطًا واحدًا، بل هي فن متعدد الوجوه، تتنوع أساليبه بتنوع الكاتب وإغرائه. فثمة سيرٌ جافة، لا تعد ولا تحصى.

ولكن أن تحظى، بسيرة مغرية، وبقلم شيق، فهذا هو التزاوج الفني الذي يبدع كتابة سيرة مختلفة:

“عبد الحليم حمود. شادي منصور. كمال جنبلاط: بصمات الصوت والحبر والدم. زمكان. بيروت-2025: (160 ص)”.

 يفرد الكتاب صفحات مغرية للقراءة لسببين:

  • المادة الشيقة، التي تتحدث عن شخصية جاذبة للقراءة.
  • الأسلوب الشيق في سرد المتابعات، والتنقل بين الخفاء والتجلّي—باللمعان الخاطف حينًا، وبالوضوح المكشوف حينًا آخر—هو ما يمنح السيرة الحياة، ويُغري القارئ بمواصلة القراءة حتى السطر الأخير، وربما أبعد منه. ففي ما بعد السطر الأخير، تبدأ الأسئلة حيث يكمن امتحان الكاتب: فن كتابة السيرة، مقرونًا بالأسئلة المذيلة، إنما هو امتحان الكاتب، في ذروة الانهمام بسرد السيرة.

هو كتاب آخر عن كمال جنبلاط، نعم، نعترف بذلك بلا مواربة، بعد كتب كثيرة صدرت عنه، وأخرى لم تكتب بعد…  فاغتياله لم يكن طي صفحة… ومشروعه لم يكن خطرًا… لقد اقترح وطنًا عربيًا لا ذيليًا ولا تابعًا. بل منبثقًا من ذات لبنانية حرة… تنبع من سردية لم تكتب بعد.

 على الرغم من كثرة الكتابات عن شخصية المعلم كمال جنبلاط، لا تزال سيرته مغرية للكتاب وللكتابة على حد سواء.  فمعينها لا ينضب: صوتًا وحبرًا ودمًا. ولا غرو في ذلك، لأن خطب المعلم في جميع المناسبات، وعلى جميع المنابر، كما أحاديثه وحواراته، لا تزال سائلة مع الزمن. وهذا بحد ذاته، من عناصر التشويق للكتابة عن المعلم. حيث حفزت الكتاب على متابعتها، والارتواء منها حتى تمثلها على أعظم صورة، وتخليدها في متحف القلب والعين.

“نشأ كمال في كنف والدته، نظيرة جنبلاط، التي عرفت كيف تدير بيتًا وسياسة في آن واحد…

 في عينطورة، حيث تلقى تعليمه، كان التعليم مساحة للتمرد الأول..”

 كذلك فإن كتابات المعلم ومنشوراته وآثاره التي خلفها للأجيال، إنما هي الكنز الثمين الذي لا يعادله أي كنز، لما فيه من غنى وتنوع: شعرًا وأدبًا وحكمة وفلسفة وطبًا وتربية وطبيعة وسياسة.

 وحد قلمه بينها، وجعلها في قالب جميل وظريف وشيق، يغري حقًا بالقراءة كما بالكتابة عنه والأخذ بها.

“ليندا جنبلاط، لم تكن فقط “اخت الزعيم” كانت ظلًا طويلًا لذاكرة الشوف، وابنة لامرأة حكمت الجبل بصمت أشد فاعلية من صخب البنادق…. قال لها يومًا: “أنا لا أخاف من الكبار… بل من الصغار”.

دفع المعلم باكرًا ضريبة الدم. كان في ذروة العطاء، وفي الذروة من رسالته. كان إذا على درب الشهداء العظام، الذين لم يمهلهم زمانهم حتى يكملوا مسيرتهم. غادروا وتركوها للأجيال، أن تحسن المتابعة.

“في بلد اعتاد أن يدفن القتلة مع الأدلة، نجا الشاهد. ونجت “البونتياك”، الشاهد الآخر…. تفاصيل تشبه اعترافات الذاهبين إلى الجحيم”.

 يقف هذا الكتاب النفيس، على معنى السيرة، وعلى معنى الرسالة وعلى معنى الشهادة، حيث يوحد بينها جميعًا، في كتابة مشوقة. حتى ليجعل القارئ ينصرف إلى القراءة بكل حضوره الفكري والقلبي. يعب ولا يرتوي من سيرة مغرية ممتعة.

“رؤية كمال جنبلاط للدين كحقل للمعرفة لا للولاء. وللهوية كقيمة إنسانية تتجاوز الانتماء الطائفي، تركت أثرًا مباشرًا على مواقفه السياسة خلال سنوات الحرب”.

 يتحدث هذا المؤلف الرائع عن المعلم كمال جنبلاط: طفلًا يحبو على مدارج النبالة والشهامة والسياسة والأدب، في كنف بيته الأسروي، وبين أحضان بيئته العريقة حتى الينابيع، وفي مدرسته وفي جامعته، وبين أيدي الأصفياء والأنقياء من أساتذته ومربيه.

” في زمن كانت الهويات تصاغ على مقاسات الطائفة، وتثبت كأقنعة نهائية، خرج كمال جنبلاط ليقول إن الإنسان ليس دينًا ولا طبقة ولا حزبًا، بل مسارًا داخليًا نحو الكمال، نحو الوعي الشمولي”.

 ويتحدث كذلك عن مرحلة الشباب والسير على درب العطاء: مبرزًا بين أقرانه من أهل الدراسة ومن أهل العلم.  فلا يدع الكتاب لنا شاردة ولا واردة، إلا ويقدمها لنا. حتى ليبدو إنه الأثر النفيس، للوقوف على سيرة معلم ما شابه معلميه، وإنما خلد أسماءهم لخلود اسمه على درب العطاء حتى النفس الأخير.

“ثمة ناحية أخرى بالغة الأهمية، لا تكتمل قراءة كمال جنبلاط من دونها. وهي قدرته على إدارة التناقضات المركبة التي تشكل شخصيته، فهو… نائب في مجلس النواب، وزير في دولة، رئيس حزب عقائدي، زعيم طائفة، قائد وطني عابر للطوائف، صديق لكبار زعماء العالم… شخص بسيط أو شفاف أو صوفي… يرتفع السياسي لديه إلى مقام الفلسفة، من دون أن يهمل فن البقاء”.

سمة من الشاعرية تصف الكتاب من ألفه إلى يائه. وهل تكون الكتابة عن المعلم كمال جنبلاط، إلا كذلك. فهو يطغى على الكتاب والباحثين، بأدبه وشاعريته وصوفيته وفكره السديد، حتى ليشعر الكاتب، أن عليه واجب المنافسة.

 يحاول المؤلفان كثيرًا، أن يرقيا إلى درب كمال جنبلاط. يريدان أن يلحقا بالمعلم كسائر مريديه. هذا حتمًا من حقهم عليه. لأن المعلم، يشعر القاصي والداني، بأنه قريب منه. فهذه هي رسالته، ولا محيد.

” كمال جنبلاط لا يؤسس نسقًا نظريًا مغلقًا، بل يقترح طريقة في العيش، في التفكير، في الإصغاء إلى الجسد كما يصغى إلى العقل”.

كتاب كمال جنبلاط، لحمود ومنصور، هو من التحف الرائعة المحببة لفن القراءة ولفن الكتابة. وكذلك لفن الرسالة الجاذبة عن بعد وعن قرب بلا فروق!

“إذا أردنا اليوم نقد الفكر الاشتراكي اللبناني، فإننا لا نستطيع تجاوزه من دون المرور عبر جنبلاط. لا كقديس، بل كحالة استثنائية، فلسفية النزعة..  أحلامها كانت دائمًا أكبر …

د. قصي الحسين

أستاذ في الجامعة اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى