العدد العاشر

في ثقافة الجماعات المنعزلة: لغات «ملونة» ولكنها قاتلة!

لطالما راودتني الأسئلة الآتية: عندما تكون لغتي تمشي معي، هل أكون أنا الشخص نفسه لو كانت اللغة في الآخر؟ وهل نتبنّى أيضًا أعراقنا في لغاتنا، أم نتبنى لغاتنا في أعراقنا، فنصير عرضة للعنصرية اللغويّة؟

وهل يسعى الآخر كي يتفوق في عمله ويخبئ لغته في جيبه، خوفًا من أن يخاطر بالنبذ من مجتمعه المهيمن، وبشكلٍ يومي، يخفي اختلافاته؟ إلا أنَّ هذا التصرف المتمثل بكبت اللغات أو ما أطلقت عليه الباحثة الأميركية غلوريا إيفانجيلينا أنزالدوا بـ «الإرهاب اللغوي»، يمتلكُ قدرةً تدميريةً هائلةً للغة الآخر تَنخرُ وعيَه نَخرًا، لتَحَلَّ مَحلَّ لغته التي يتداولها منذ آلاف السنين. فالحفاظ على اللغة مرتبط بحاملي اللغة، فمتى تم اختراقهم تُخترق لغتهم. وهذا يُحدث، لاحقًا، فراغًا لغويًا جائعًا للتيارات الأخرى، كما حدث ويحدث للجماعات الإثنية في سوريا والعراق. ومن هنا، نستنتج أن اللغات التي عانت من العنصرية ها هي تمارس العنصرية، والخوف من أن تغرق بدماء «أخوة الأرض»، وهذا إذا تم سيُحدث تفريغٌ جوهريٌ للمعاني العميقة للغة الآخر، حتى الكتابُ المقدَّس بعد تغيير في بعض كلماته وتحديثه، وصفه الشمّاس يوركا «أنه أشبه بمسلسل تلفزيوني، فرغ كثير من محتواه النفيس».

فاللغات التي تنطقها الجماعات لتبرير سيطرتها، هو بحد ذاته ليس عادلًا، وليس وطنيًا/ إنسانيًا بالمطلق، لأنها تقوم على مبدأ إلغاء الآخر، وهذا ما سماه بعض الكتّاب بالإرهاب الدلالي في اللغة، والتي من خلاله تحاول الجهة المهيمنة على الخطاب إثارة الخوف والهلع في الأخر من ناحية، أو الانتقاص من خصوصياته المعتبرة بالعنصرية من ناحية أخرى.

يمكن إثراء عقولنا، إثراءً جمعيًّا ومتزايدًا بتقبل فكرة أنَّ لغتنا أيضًا ليست لغتنا أبدًا بل هي امتداد معرفي لوحدة التفاعل والحياة في المجتمع المتعدد. فهل تكون خيانة العنصرية للغة قبل خيانة اللغة للعنصرية وما تضمره تلك العنصرية من ادّخار غير إنساني مسكوت عنه لا يبوح به إفصاحيًا باللغة؟

يبدو مجتمع الهلال السوري الخصيب ضحية من ضحايا وجود سابق أسميناه اللّغة. هل تجاوزنا الميتافيزيقا وخطابها المتعالي؟ هل الكتابة هي الأصل أم هي صورة عنه أم هي تنقّلٌ ما بين الحقيقة والكذب؟ هل المكتوب هو الحقيقي أو هو المسكوت عنه؟

تضعنا هذه الأسئلة، أمام الإشكاليّات اللّسانيّة الّتي تطرحها فلسفات «ما بعد الحداثة»، والّتي أعادت النّظر إلى مفهوم اللّغة وعلّة وجودها ومدى قدرتها على نقل صدق المشاعر وحقيقة الأفكار.

لا شك في أن مهمة اللغة في المجتمعات التي تعاني خللًا بنيويًا هي وسيلة من وسائل توصيل المعنى المدّخر في الفكر العنصري… وهي إما أن تكون اللغة «عنصرية» أو سيرورة التأنسن والتمدن وابتداع الثقافة؟

إن مواجهة العنصرية اللغوية تتطلب خططًا وجهودًا متواصلة ومتكاملة تعتمد على التوعية والتعليم، والتمكين الاجتماعي والنفسي والاقتصادي وحتى السياسي، وتنشد التعاون بين جميع عناصر النسيج المجتمعي، من أجل تحقيق التغيير والاصلاح وبناء مجتمع المواطنة أكثر مقاومة للعنصرية والكراهية.

 عندما يكون المجتمع منقسمًا على نفسه تصبح العلاقة بين الجماعات شديدة العصبية ولكل جماعة (أقلية) قصتها في ضبط لغتها، بإضفاء الشرعية على الناس، أو نزعها منهم، بناءً على أي أثنية ينتمون، وأسمائهم، و«لون» لغاتهم. كم منّا جُحدت أو حُوِّرت «هُويّاتهم»، استجابةً لنظام مجتمعي مشوّش؟ وكم عدد «الهُويّات» التي سُحِقت نتيجة عجز عالمنا عن تقييد التفاوت اللغوي؟

نحن في جميع الحالات منتجات لغة، لا شيء يمكن أن يستقيم خارج حدودها بما فيها كينونتنا. استنادًا إلى ذلك ستكون هي المصفاة التي يتسرب من خلالها الإدراك الحسي إلى الذهن لكي يستوطن المفاهيم المجردة.

***

لو تجاهلنا البُعد الاقتصاديّ ونظَرنا إلى العولمة من منطلق براغماتي، نجد أنّ المشهد الثقافيّ العالميّ لا يزال محافظًا على الاختلاف والتعدّد بحيث يتعذَّر صهرُه في بوتقة واحدة.

ولمّا كان هدف العولمة الأساسي هو التّأثير بشتّى الطرق، سعى الكثير من العلماء والمبدعين إلى تحقيق هذا الحلم عن طريق اللّغة، فشرعوا بابتكار لغات اصطناعيّة بمقدور كلّ فرد التكلّم بها. ففي عام 1629، وضع الفيلسوف الفرنسي «رينيه ديكارت» مخطّطًا لبناء لغة عالميّة قائمة على الأرقام، بحيث يمثّل كلّ رقم مفهومًا معيَّنًا. ومنذ ذلك الوقت، كانت هناك أكثر من 700 محاولة لإنشاء لغة اصطناعيّة (Artificial language).

يقول المؤرخ الفرنسي، «آرنست رينان»، إنه قبل الثقافة الفرنسية والثقافة الألمانية والثقافة الإيطالية كانت الثقافة الإنسانية.

ولكن ما هي العبرة من كل هذا النقاش العالميّ حول أهميّة التنوّع اللّغوي؟

في الواقع، إنّ تنوّع اللّغة ليس مجرّد حادث اعتباطيّ في التّاريخ، بل هو غاية في حدّ ذاته. فاللّغة جزء من تراث المجتمعات الثقافي يستحقّ المحافظة عليها لكونها حاملة من حوامل الحضارة. وفي هذا السّياق، لا نستغرب تلك المشاريع والتحرّكات الّتي تسعى إلى الحفاظ على اللّغات المهدّدة بالزّوال أمام صراع اللّغة الأقوى وتحدّيات العولمة.

ففي منطقة تزخر بالتنوع كالهلال الخصيب لا بد ان نأخذ بعين الاعتبار تعدد اللغات فيه بعدد الأعراق والديانات والمذاهب، وتحقيق مشاركة سياسية واقتصادية يتساوى فيها الجميع أمام القانون، حتى لا يتحول هذا التنوع إلى عامل هدم في الجسد الاجتماعي، لأن التهميش والالغاء او الإقصاء هو الذي يجعل من التنوع اللغوي مصدر ضعف وليس مصدر قوة، من هنا جاء قول عالم الاجتماع أنطون سعادة: «كلّ مجتمع يجب أن يكون له وسيلة أو وسائل، لغة أو لغات، لهجة أو لهجات يتخاطب بها أفراده ويتفاهمون، ويتفاعل تفكيرهم وتزداد ثروتهم العلميّة. وهكذا نرى أنّ اللّغة وسيلة من وسائل قيام الاجتماع لا سببًا من أسبابه. إنّها أمر حادث بالاجتماع في الأصل لا الاجتماع أمر حادث في اللّغة». ويتابع قائلًا: «ثمّ إنّ اللّغة متى صارت لغة جماعة أو جماعات معيّنة أصبحت حاملةً الميراث الأدبيّ الثّقافيّ لهذه الجماعة أو هذه الجماعات» لتكريس مبدأ المواطنة كقيمة ديمقراطية وخط شروع يتساوى فيه المواطنون، ولا ينظر إليهم إلا على اساس الكفاءة والنزاهة. والمجتمع الديمقراطي/ العلماني يجب أن يعتمد على مفهوم يضمن لجميع المواطنين الحقوق والحريات الأساسية كحالة لشعورهم بالأمن والاعتراف المسالم والمشترك بهم.

***

في العنصرية الثقافية إشكاليةَ تحوّل العنصرية في العقود الأخيرة من «العنصرية البيولوجية» القائمة على افتراض وجود أعراق متمايزة بصفات وراثية ثابتة تحتِّم تمايزًا بين الدول والشعوب والجماعات سياسيًّا أو اقتصاديًّا أو من حيث القدرات العقلية أو الصفات الأخلاقية، كما أنها عنصرية ترتّب الأعراق هرميًّا من الأسمى إلى الأحطّ، إلى «العنصرية الثقافية» التي لا تقسّم الشعوب ثقافيًّا فقط، بل تقسّم الشعب الواحد إلى «شعوب»، وتجعل لكل منه صفات ثقافية متوارثة من الأسمى إلى الأحطّ كذلك، كما تقوم على ركيزتين:

الأولى، تحديد صفات جوهرانية ثابتة لثقافة شعب أو جماعة معينَين. الثانية، تعميم هذه الصفات على المنتسبين بالولادة إلى تلك الثقافة.

وتظهر الإشكالية العنصرية خاصة في المجتمعات التي تفتقر إلى المواطنة والانفتاح، إذ يتنامى التمركز حول الهوية الذاتية، وتتضخم النزعة نحو أفضلية الذات والعرق والجنس والقبيلة، وقد تؤدي إلى التعصب والإقصاء والصراعات العرقية التي قد تصل إلى الحروب الأهلية على نحو ما حدث في بعض المجتمعات.

ينشأ الصراع الثقافي عن سوء الفهم لثقافة الآخر والتبرير غير العقلاني لإعلاء الذات والاعتماد على الأحكام المسبقة والكبرياء والجحود، ثم يتم تكريس هذه التمثلات عبر الأجيال… من هنا تأتي الحاجة إلى نقد النظرة الأحادية للهوية بشكل يحيل الاختلاف إلى عامل تميز وثراء، ويدفع باتجاه التلاقي الثقافي بدلًا من التعارض والخلاف.

الثقافة اللغوية بمفهومها العام ليست موضوعًا فرديًا، بل نسق قيمي اجتماعي مرتبط بالسلوك والعادات والأفكار والتقاليد الدينية والاجتماعية كعوامل ناتجة من مجرى تطور المجتمع مع نفسه، وهي بهذا المعنى تشكل البنية الأساسية للهوية. وبناء على هذا يمكننا القول إن التنوع الثقافي اللغوي هو تكريس للهوية المجتمعية، بل إن المجتمعات تتشكل من عدة جماعات تحيا حياة مشتركة بالمواطنة والقانون.

من هنا تأتي الحاجة إلى نقد النظرة العنصرية للهوية بشكل يحيل الاختلاف إلى عامل تميز وثراء، ويدفع باتجاه التلاقي الثقافي بدلًا من التعارض والخلاف والاقتتال. فـ «الآخر ليس سيئًا أو متوحشًا لسبب أصيل في عنصره»، كلما تأكدت هذه الفكرة في وعي مجتمعنا، كلما زادت مساحة أنسنته وتحضر سلوكه وارتباطه بهويته الواحدة/ الموحدة.

***

يستكشف هذا البحث العلاقات المعقدة بين اللغة والعنصرية، مستندًا إلى تعريف «العرق الحديث» ومفهوم العنصرية ضمن سياق الحداثة الأوروبية، حيث يُنظر إلى العرق كنظام اجتماعي يتبنى أشكالًا متعددة عبر التاريخ، ويصنف الأشخاص بناءً على سمات جسدية ومفاهيم عرقية معينة.

والعرق، كما يُفهم في الأطر الحديثة، يشكل جزءًا لا يتجزأ من الهيكل الاجتماعي والنظام العالمي، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعمليات الاستعمارية والعبودية العنصرية التي دفعتها دوافع رأسمالية. كما يُعد فهم العرق ضروريًا لتحليل الكيفية التي يتم بها تنظيم وفهم الفئات العرقية في مختلف السياقات الاجتماعية والثقافية.

يعبر مصطلح «العرقية» كمفهوم عن الاختلافات على مستويات متعددة، مثل الاختلافات الظاهرية والإثنية، وكيف يمكن أن تتداخل هذه الاختلافات وتؤثر على الأبعاد الاجتماعية والثقافية، وكيفية تأثير العنصرية في تشكيل مفاهيم الحداثة، فهل كانت الحداثة نفسها مشروعًا عنصريًا، حيث تتشابك الأفكار العنصرية مع مفاهيم السيادة والمواطنة، وتُظهر كيف تؤدي اللغة دورًا محوريًا في تعزيز العنصرية من خلال تمكين الهيمنة اللغوية والثقافية، وكيف تسهم الأيديولوجيات اللغوية العنصرية في ترسيخ التمييز العرقي في المجتمع؟

لا نشك في أن العرق والعنصرية متشابكتان بعمق مع اللغة، وأن فهم هذه العلاقة ضروري لمعالجة القضايا العنصرية في المجتمع. كما يجب البحث في فهم أفضل لكيفية تأثير اللغة في تعزيز الأيديولوجيات العنصرية وكيف يمكن مكافحتها من خلال التغييرات اللغوية والثقافية.

تخضع اللّغات – كغيرها من المؤسّسات – إلى ضغط اقتصاديّ أو اجتماعيّ أو ثقافيّ أو دينيّ أو سياسيّ أو عسكريّ، أو أيّ مزيج من هذه الضّغوطات. إنّ الأشخاص المتأثّرين بشكل مباشر، هم الأقلّيّات بحكم مفهوم هذا المصطلح، ومع ذلك فهم يحملون معظم التنوّع اللّغوي الّذي يثري مجتمع الهلال السوري الخصيب، ويضعه في مصاف الدول المتحضرة في نظرة قويّة إلى الحياة والعالم. فهل تفيق العقول من غفلتها في هذا المجتمع فتفكّر في ما أصابها ويصيبها، وتتمعّن في أسباب وجودها في هذا الوطن المتعدد اللغات؟

«لا يمكن أن تكون لنا عقلية واحدة، ونحن نعمل بمفاهيم متنافية مع وحدة المجتمع» كما يقول المفكر أنطون سعادة.

نظام مارديني

كاتب و صحافي سوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى