العدد الثاني عشر

عن هيغل وتوظيف مصطلح “السيد والعبد”

جدلية المقاومة والاستعمار

حين التأمل في تجارب المقاومات في العالم، نجد أن جميع هذه التجارب خاضت سجالات وصدامات اجتماعية وسياسية، منذ راودت فكرة السيد والعبد، التي ابتكرها «هيغل»، العقلَ الغربي تجاه عالمنا العربي، وخصوصًا منه «الهلالَ السوري الخصيب»، الذي صُبّتْ عليه اللعنةُ منذ أن زرع هذا الغربُ الكيانَ الصهيونيَّ اللقيط في فلسطين، في أربعينيات القرن الماضي.

إذًا، ووفقًا لاستعارة السيد والعبد التي ابتكرها «هيغل»، فإنها فلسفةُ العبيد، والمهيمن عليهم، والمضطهدين. وقد عالجت الروائية المصرية «رضوى عاشور» الرؤيةَ الفلسفيةَ النفسيةَ لجوهر هذا الصراع بين عالمين وحضارتين وذاتين مختلفتين، في روايتها الشهيرة «ثلاثية غرناطة» (التي تتكوّن من ثلاث روايات للكاتبة، وهي على التوالي: غرناطة، مريمة، الرحيل. تدور الأحداث في مملكة غرناطة بعد سقوط جميع الممالك الإسلامية في الأندلس، وتبدأ أحداث الثلاثية في عام 1491، وهو العام الذي سقطت فيه غرناطة).

ترصد «الثلاثية» مظاهرَ الحوار الجدلي بين السيد والعبد داخل الرواية، ويتجلّى هذا من خلال صورٍ عديدةٍ للممارسات الغاشمة من قبل السيد تجاه العبد، وتكشف عن نتائج هذا الصراع على الإنسان والحضارة، وكيف أنتج ظاهرة الاغتراب والتماهي والتعلّق بالأحلام والغيبيات، والعديد من الأمراض النفسية التي عانى منها الإنسانُ المستعبَد.

وتطمح هذه «الثلاثية» إلى الإسهام في الرقيّ العلمي والفكري للإنسان، ونبذ أدوات القهر والاستعباد وممارساتها، حتى يتحقق للإنسانية ما تريده من تطور وتقدّم. كما تطمح كذلك إلى تأصيل القيمة الإنسانية داخل النفس البشرية، وتعزيز حضور القيم الإنسانية المتسامحة، والتعاون البشري البنّاء، من دون الانتقاص من الإنسان وكرامته واستقلاليته، بوصف هذه الأمور من المرتكزات الأساسية والحقيقية للتطور والإبداع والرقيّ، للعالم أجمع، وللعالم العربي على وجه الخصوص.

وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ العزمَ على إنهاء الاستعمار المتفشي بألوان جديدة في الدول «الضعيفة»، واتخاذَ قرار فكّ الارتباط بسياسة التبعية من طرف الحركات التحررية، دفع الفاعلين في المشهد الفلسفي إلى تبنّي خياراتٍ جذرية، واستخدام لغة المقاومة والتحرير، والانكباب على إعداد الاستراتيجية الثوروية الضرورية للانعتاق والتنمية والتدبير والتعمير، وهو ما يحدث في منطقتنا وفي الكثير من مناطق العالم.

ولكن، كيف يمكن كسر شرنقة “السيد ـ العبد”، والخروج منها إلى عالم التحرر والمساواة والعدالة؟

أصبح مصطلح «فلسفة المقاومة»، الذي سمعناه في المظاهرات المطالِبة بالحرية والاستقلال والسيادة، وضدّ الغزو والاحتلال، مصطلحًا منتشرًا في كل مكان منذ بدايات المطالبة بتقرير المصير للشعوب. وهو، بالطبع، مصطلح يطارد ذاكرتنا منذ الحرب العالمية الثانية: نقاوِم العدو، لا نستسلم، نصمد، لا نتفاوض. في مواجهة الرعب، نحن لا نخضع. وفي مواجهة ما لا يمكن تصوّره، نبقى واقفين. بعد الاعتداءات، بدا أن المقاومةَ، والتظاهرَ، والتواجدَ معًا، والتعبيرَ عن الرفض لكل عناصر العبودية – قبل الفهم أو الشرح أو التعليق – كان ردَّ الفعل الوحيد الممكن، والبدايةَ الضرورية.

لكن، يجب أن نثير هنا أسئلةً عديدة: هل المقاومة، على الرغم من ضرورتها، كافية؟

هل يكفي أن نقول: «أنا أقاوم»؟ أن أقاوم الجمود، أن أواجه الغزاة والمحتلين، لأردَّ على المعتدين؟

وكيف ننتقل بالمقاومة من لحظة الانفعال والدفاع، إلى حقل الواجب والحق؟

وكيف يمكن استثمارها في عملية استرجاع ما تم افتكاكه ونهبه والاستحواذ عليه بالقوة؟

هل تقدر على وقف أداة التدمير الشامل؟

وإلى أي مدى تكون فلسفة المقاومة أداةَ خلاصٍ جماعيٍّ من الظلم والاستيطان، واقتدارًا على الإبداع التام والمبادأة من جديد؟

انعكس حضور الاستعمار الغربي البريطاني، الذي مسّ الأرض في «وادي النيل» عام 1882، على أدب المقاومة في ثلاث صور، تميزت كل مرحلة منها بخصائص خاصة:

  • المرحلة الأولى: امتدت من لحظة الاحتلال حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، وتمثلت المقاومة خلالها في تنبيه مباشر للناس إلى الخطر الداهم الذي أحدق بالوطن والعقيدة.
  • المرحلة الثانية: امتدت خلال الفترة ما بين الحربين، حيث أُضيفت إلى الأدب السياسي المباشر- الذي اشتعل بالدعوة إلى الحرية والاستقلال عقب الثورة الوطنية عام 1919- بحوثٌ في الحرية بوصفها مفهومًا نظريًا عامًا. وسرعان ما أُلحقت بهذه البحوث سيرٌ لأبطال الحرية، تُجسّد معانيها في رجال عاشوها، وقد اختير هؤلاء الأبطال تارة من الغرب وتارة من التاريخ العربي.
  • المرحلة الثالثة: تمتد من الحرب العالمية الثانية حتى يومنا هذا، وتنقسم إلى شطرين: في أولهما كان الاستعمار عسكريًا سافرًا، وفي ثانيهما أخذ يتسلل في الخفاء إلى حياتنا الفكرية من دون جند أو سلاح، بل بعقلية “السيد والعبد”. لكن هذا التسلل لم ينجح بشكل كامل، فكان لا بد من العودة إلى لغة السلاح، وهو ما حصل منذ احتلال فلسطين عام 1948.

إنّ علاقة الفلسفة بالمقاومة تنبع من كونها شكلًا من أشكال مقاومة الجهل والتعصّب والغطرسة، سواء كانت إرهابيةً أو تكفيرية أو إيديولوجيةً أحادية. ومن جهة أخرى، فإن حق المقاومة هو مفهوم ولّدته الفلسفة السياسية الحديثة، التي تجعل من ثقافة التمرّد أمرًا ممكنًا، خصوصًا في عالم تحكمه قيم الاستهلاك والسلبية والاكتئاب المعولم.

وكأنّ الأمر يُحاكي ما قاله جان بول سارتر: “إنّ حاجة المستعمِر إلى خدمات المستعمَر الرخيصة جعلته يحاول أن يجعل من مواطني مستعمراته حالةً تقع بين الإنسان والبهيمة؛ أي عمليًا عبدًا غير واعٍ لعبوديته.”

في كتابهما الشهير في الفلسفة السياسية المعاصرة »الإمبراطورية«، يذهب ميكائيل هاردت وأنطونيو نيغري إلى أنّ النظام العالمي الجديد يتسم بتناقض جوهري: من جهة، حرب شاملة قائمة على تراكم رأس المال؛ ومن جهة أخرى، انبثاق أشكال جديدة من الذوات المقاومة ومسارات جيوسياسية تسعى إلى رفض أشكال التمثّل المعاصرة والبؤس المعولم.

إن الصفات الإيجابية للمقاومة تنبع من تأكيد القدرة على الفعل، وها هو التاريخ يتغير نوعيًا الآن، وينتقل من مرحلة استجداء العون والتمسك بقرارات الشرعية الدولية التي لا قيمة فعلية لها على الأرض، إلى مرحلة التحرك الفعلي من خلال مقاومة الشعوب في عصرٍ كاد البشر ينسون فيه تاريخهم النضالي الطويل تحت وهم “العالم قرية واحدة” تحت مظلة العولمة.

وثقافة المقاومة هي الضمان الأول لحركة الشعوب.

وإذا كانت “القوة هي القول الفصل في إثبات الحق”، كما يقول النهضوي أنطون سعادة، فمن الطبيعي أن تكون المقاومة هي المعبّر الأول عن هذا الحقّ وتلك القوة، وهي الدرع الحامية في مواجهة كلّ الأخطار التي تهدّد شعبنا، والتي يسوّقها علينا عدونا التاريخي، اليهود، مباشرةً أو عبر أدواتهم: من ينفذون خططهم بعمالتهم أو خيانتهم أو غبائهم.

فلا مناص لنا من استخدام هذه القوة في الدفاع عن وجودنا القومي، وإسقاط فكرة “السيد الذي يأمر” و”العبد الذي يتلقى”، بعدما أكّدت المقاومة أننا أحرار، من أمّة حرّة.

فحقيقة فعل المقاومة هي في الإخلاص للحدث.

يُقال إنّ السياسة لا ثابت فيها، بل تتقلب بتقلّب الظروف وتغيّر المصالح… والمسألة الفلسطينية ليست مسألة بسيطة أو محلية أو حتى إقليمية، لكي يُصار إلى حلّها باتفاقيات معلبة على شكل “تسويات”. إنها أعقد من ذلك بكثير.

ومهما حاولت القوى الغربية، في مراحل سابقة، تمييع القضية وتجريدها من زخمها وتأثيرها، ودفنها تحت تراب “التطبيع” أو “معاهدات التسوية الإبراهيمية”، أو تصويرها على أنها شأن يخص “الفلسطينيين” وحدهم، أو حتى “اللبنانيين”، فإنّها لن تنجح في تصفيتها.

وعليه، فإنّ الأمور قبل “طوفان الأقصى” ليست كما بعدها.

على هذا الأساس، يستعيد مفهوم المقاومة هذه الأيّام بريقه ونشاطه الدلالي والرمزي، على إيقاع ما يعيشه شعبنا في فلسطين ولبنان وسوريا من نضالات يومية ضدّ عدوان الاحتلال الصهيوني الغاشم، والهيمنة الغربية، والجماعات التكفيرية.

وقد أنتج تاريخ المقاومة أيقونات أنموذجية في الذاكرة العالمية، رفعت بعض الثائرين والمتمردين إلى مقام الرموز الخالدة، مثل: سبارتاكوس، والشعراء الصعاليك، وعبد الرحمن الكواكبي، وتشي غيفارا، وناجي العلي، وغسان كنفاني، وشكري بلعيد، والسيد حسن نصر الله…  منهم من اضطُهد، ومنهم من اغتيل، لكنّهم جميعًا تركوا أثرًا في الوعي الجمعي المقاوم.

ومن أجل تنضيد مفهوم فلسفي مناسب للمقاومة، لا بدّ من التوقف عند الأسئلة الآتية:

أولًا: كيف يمكن إعادة الثقة إلى الفلسفة بوصفها فعلًا سياسيًا عموميًا يعيد إلى الفيلسوف قدرته على اختراع المفاهيم والأحداث والحقائق، الملائمة للأزمات التاريخية الراهنة؟

ثانيًا: كيف نمنع الفيلسوف من التخلي عن العالم؟

أي كيف نُبقيه وفيًّا لفكرة إمكانية تغيير ما يحدث، لأنّ ما حدث لا يمكن أن يكون قَدَرًا مُطلقًا لشعبٍ ما؟

فالرغبة في المستحيل هي شعار فلسفة المقاومة.

ثالثًا: كيف نؤكّد أن الفلسفة فعل تمرّد ومخاطرة، لا تحذلق أكاديمي ولا وعظ أخلاقي بائس؟

رابعًا: كيف نحول الفلسفة إلى فعل عمومي تحرّري، ونجرؤ على مقاومة كل محاولة لاعتقالها في جبّة الاختصاص الضيق؟

الفلسفة ليست معبدًا مغلقًا… بل فضاءً مفتوحًا للحياة، للجماهير، للصراع، وللأمل.

نؤمن أننا لا يمكن أن نبني حياةً سياسيةً جديدة في مجتمعاتنا من دون ممارسة حقيقية للحرية، ولا من دون منظومة قانونية متكاملة ذات سيادة فعلية. هذا هو حجر الأساس في مشروع الانتقال السياسي السلمي، بأقل قدر ممكن من العنف وتداعياته المجتمعية والسياسية.

كما نؤمن أن بناء أفق سياسي جديد يتطلب مجالًا تنافسيًا صحيًّا بين القوى السياسية والمدنية والنقابية، يرتكز إلى تفاهمات دستورية عميقة تمنع الانقلاب عليه أو التلاعب به من قِبل القوى النافذة.

في الختام، نحن ملزمون، كمجتمع، بقراءة تاريخ الاستعمار جيدًا، لا سيما في أبعاده السياسية والاقتصادية والحقوقية.

علينا أن نُعيد النظر في أفكار من طرحوا إشكالية “السيد والعبد” في الغرب، ممن سبقونا بعقود إلى نقد البُنى السلطوية، وأن نتعامل مع ملاحظاتهم وتحليلاتهم بجدية، خصوصًا في أوساط النخب السياسية في حركات المقاومة، لعلها تُسهم في معالجة أشكال الاستعمار والظلم والاستبداد التي لم تعد تتلاءم مطلقًا مع واقع العصر.

“لا يكفي أن تؤلف أغنية ثوروية كي تشارك في الثورة،

إنما ينبغي أن تصنع الثورة مع الشعب،

ثم تأتي الأغاني من تلقاء ذاتها.”

 فرانز فانون

نظام مارديني

كاتب و صحافي سوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى