العدد العاشر

الباروديا ومحاصرة القيم في “حماري ومؤتمر الصلح” للحكيم

شكّلت السخرية جزءًا أصيلًا من الخطاب الإبداعي عبر التاريخ، فكانت جسرًا تعبُر من خلاله رؤى وأفكار مشبعة بالقيم والدلالات التي قد تعجز النصوص الجادّة أو الخالية من التفكّه عن إيصالها. ولهذا، لجأ العديد من الأدباء في مختلف الثقافات الإنسانية إلى ركوب مطيّة الفكاهة، إما بدافع ذاتي نابع من طبيعة الشخصية المبدعة، أو بفعل رؤية فلسفية للعالم والوجود.

وقد زخِر الأدب العربي القديم بسمات السخرية، سواء في خطابه الشعري من خلال الهجاء وفن النقائض، أو في النثر، كما جسّده الجاحظ في كتاب البخلاء، حيث رسم لهذا اللون من الأدب معالم جديدة تجمع بين التهكم العميق والفكر الفلسفي المغلف بالحكاية اليومية.

ولم تقف مظاهر التفكّه والسخرية عند حدود الشعر أو الأدب الجاحظي، بل ظهرت كتب أخرى كان عمادها الدعابة ونقل الأخبار المضحكة، مثل أخبار الحمقى والمغفلين لأبي الفرج ابن الجوزي، ومقامات الهمذاني التي مزجت بين البلاغة والفكاهة في آن. كما زخرت كتب الأخبار والتاريخ والأدب، كـالعقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي والأغاني للأصفهاني، بطرفٍ وملحٍ ونوادر تنبض بحس الدعابة وتفيض بملامح السخرية والتفكه.

هذا الحضور اللافت للفكاهة في التراث العربي يدلّ على أن حب الضحك والتفكّه جزء من التكوين الفطري للإنسان، يجد فيه متنفسًا من أعباء الحياة وتقلّباتها. وقد منح هذا اللون من التعبير الأدبي امتدادًا واسعًا في ثقافات إنسانية متعددة؛ حيث التقطت رواية الفروسية في الدون كيخوط دي لامانشا لميخائيل دي ثيرفانتس روح الباروديا الساخرة، وجعلت منها سمةً لسانكو البسيط المازح، الذي شكّل بتهكمه مرآة ساخرة للبطل المأزوم.

وكان  الإنجليزي “لورد بايرون” صاحب ملحمة “دون جوان” رائدًا في الأدب الساخر، وتعددت الأعمال الساخرة بشكل ملفت  في المحضن الأوروبي  الذي سيعبد الطريق للأدب العربي عبر فعل المثاقفة لينتعش الأدب الساخر في التربة العربية مع كبار الأدباء والشعراء، كأحمد مطر، والمازني، ومحمد زفزاف، وزكريا تامر، ومحمد الماغوط،  ورائد المسرح الذهني توفيق الحكيم، حيث سيجد فيه الأديب العربي وسيلة مثلى لتمرير رؤيته والتعبير عن موقفه تجاه قضايا الأمة في ظل الصراع الذي كان يؤطر علاقة المبدع والسلطة من جهة، وعلاقة المبدع بالمتلقي البسيط الذي يحتاج إلى خطاب مفكه على قدر من البساطة إحقاقا للغاية التواصلية، وقد سلك كل أديب طريقًا ميزه عن غيره في استدعاء السخرية داخل المنتج الفني، فبرع المازني في منح مقالاته الطابع الساخر الكاريكاتوري، وأبدع أحمد مطر في قصائده الحامية واللاذعة بالسخرية، وتفنن تامر في قصصه الرمزية الساخرة، وكانت نصوص الماغوط محشوة بالمرارة المختبئة في جوف السخرية، أما الحكيم فقد كان المسرح أنسب طريق وأكثر الأدب طواعية لتحقيق مراده من النقد للوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي  الموسوم بالهشاشة في البلاد العربية. وضع هش مازته انهيارات القيم الإنسانية، فكان كتابه “حماري قال لي” الذي صدر سنة 1945 عن مكتبة مصر أو “حماري ومؤتمر الصلح”، صادرًا عن دار الكتاب اللبناني في طبعته الأولى سنة 1973، نموذجًا فريدًا من نوعه للأدب الساخر الذي أجده أكثر تفوقًا من حيث البناء والدلالات التي استطاع الحكيم أن يحاصرها داخل المتن المسرحي، وفي إطار ضيق يسيجه حوار ثنائي  بين الحكيم وشخصية حيوانية موسومة في العرف الثقافي بالبلادة والغباء، ولها ارتباط وثيق بالمفكرة الفكاهية مع “جحا”، وهي شخصية الحمار الذي يتحول إلى فيلسوف وحكيم يمتلك رؤية من العالم، بل ويحلل ويدقق ويبدي الرأي، وينقح الخطأ ويصلح الاعوجاج، فهو ليس كبقية الحمير كما يعلن الحكيم في أول اللوحات المسرحية التي عنونها بـ: “من هو حماري؟”، في عملية تهيئة نفسية للقارئ لأجل معرفة خصوصيات هذا الحمار ومكانته عند الحكيم، فهو مقدس كما كان الجعران مقدسًا عند المصريين القدماء، لتنشأ بينه وبين صاحبه علاقة مودة. فهو يستطيع أن يقرأ الصمت داخله، ويتجاذب معه أطراف الحديث. إنه تخييل مجنح من الحكيم استطاع فيه أن يمتص المنتج الأسطوري، ويعيد رصف المبنى الحكائي للنص الخرافي الذي استدعى فيه منتجوه الحيوان وأنطقوه داخل متونهم. غير أن الحكيم سلك بمحاورته للحمار مسلكًا مسرحيًا تمكن فيه من محاصرة القيم المتهاوية عبر لوحات تظهر فيها فلسفة الحكيم وحماره معًا، وتتنامى عبر صراع ذهني وفكري يغذيه الفعل الحجاجي وينتهي بمنطق الغالب والمغلوب.

لقد طغى الجانب السفسطائي على المتن المسرحي في حماري ومؤتمر الصلح بشكل لافت، ومنح الخطاب قوة إقناعية اختلفت درجاتها في كل لوحة مسرحية، وغايته كانت تسييج القيم الإنسانية المتهالكة، ومحاولة استنهاضها عبر النقد الساخر ولغة الباروديا، ففي اللوحة الأولى (حماري والطوفان) يستدعي الحكيم عبر المحاورة مشتركًا تاريخيًا بين الإنسان والحمار، حيث ركبا سفينة نوح وقت الطوفان الذي عاقب به الله تعالى البشرية يومها بسبب المعاصي والظلم والفساد المستشري في الأرض، من دون أن يتمكن الطوفان في نظر الحمار من حل المشكلات، لأن الظلم لا زال يجري طوفانًا من الدماء في الأرض ما يعني أن القيم الانسانية المنهارة ظلت على حالها، لذلك يجد الحمار حلًا ساخرًا للحكيم يتمثل في نقل دم الحمير إلى الفصيلة البشرية، لأن تفكير الحمير واحد ومجتمعاتهم يغيب فيها المثالي والمادي، ولا وجود لمنطق القيادة والزعامة عندهم، فالكل في عالم الحمير متساو يعيشون على أرض واحدة لا حدود فيها، ثم ينتقل بنا الحكيم إلى لوحة “الحماري وهتلر، فيستحضر النص الأسطوري ممثلًا في حكايته شهرزاد التي ستحاور هتلر في قصره حول روح المبادئ، لينشأ الصراع بين الديموقراطية والحرية وحب الهيمنة والتسلط عبر استحضار تاريخي للحكايا التي تمكنت من إقناع شهريار بهدوء، ومن دون إراقة للدم من أجل تحقيق السعادة للبشرية التي اعتبرتها شهرزاد النصر الحقيقي للإنسان الزعيم، من دون أن يخلو الحوار من نبرات ساخرة. وفي اللوحة المسرحية الموالية ينقلنا الحكيم إلى محاورة يحضر فيها الحمار في البداية، يطالع مع الحكيم خبر سجن “موسو ليني” في قلعة جزيرة “بونزا”، بسبب حرمانه شعبه من الحرية، ليدخل مع الحارس في حوار حول مصيره كزعيم لم ينصف الشعب الإيطالي، وحرمه الديموقراطية وملأ رأسه بالأكاذيب والترهات التي جعلته ممثلًا بارعًا على مسرح إيطاليا. ثم ينتقل الحكيم إلى رسم لوحة مسرحية أخرى، يلتمس فيها الحمار من الحكيم أن يصف له فيها مؤتمر الصلح من دون أن يتم عقده، ما يُلْجِئُه إلى ممارسة التخييل راسمًا حدود المكان للمؤتمر في “فرساي”، لما ترتبط به ذاكرتها المكانية من أحداث تاريخية (معاهدة فرساي الشهيرة)، لتحاول اللوحة أن تسيج عددًا من القيم كالسلام الدولي والأمن والحرية والتعاون والإخاء، فترسل كل دولة مندوبًا يمثلها في المؤتمر، ويكون الحكيم ممثلًا للأمة العربية فيشد الرحال إلى فرساي ليعبر عن موقفه من السلام العالمي والمبادئ الانسانية السامية ذات الطابع الكوني، والقائمة على حرية القول والرأي وحرية العبادة والتحرر من الفقر والتحرر من الظلم والاستعباد. وبعد هذه اللوحة التي حاصرت قيمًا عليا ووضعتها على محك الطاولة الدولية مُغَلّبَةً المصلحة العليا للأوطان، وممزقة ذلك التقسيم العنصري للدول القوية والدول الضعيفة، لتأتي لوحة تستنطق الفعل السياسي في “حماري وحزبه”، حيث يدور الحوار الذي لا يخلو من سخرية وتهكم ونقد لاذع بين الحمار والحكيم حول إنشاء حزب سياسي بين الحكيم وفصيلة الحمير، حيث يكون الحكيم هو المرشح للرئاسة، بدعوى أنه خير من سينسجم مع الأعضاء. غير أن الحكيم يتملص من المسؤولية، لأنه لا يملك غير أفكاره الفلسفية وقلمه، ولا وزن للمال والجاه والاغتناء في تفكيره ليرمي بها على عاتق الحمار الذي يرفضها أيضًا بحجة صعوبة المسؤولية ودقتها، والخوف من الخلاف مع الآخرين، ليتحول مجرى الحوار إلى مسألة تعدد الزوجات في إطار مقارن بين الرأي الانجليزي والتشريع الإسلامي.

ويؤكد الحكيم على مسألة الحرية كقيمة إنسانية عليا، حيث يقول: “الحرية هي المنبع الصافي لسعة الصدر والعقل… الحرية هي الطريق نحو القوة… الحرية هي انتصار الإنسان على نفسه وعلى كل سخافة إنسانية… الحرية هي دواء كل شيء”، لتنتهي المحاورة باقتناع الطرفين بعدم حلول الآوان لإنشاء حزب، لانتفاء وجود حمار يقر بأنه ينتمي إلى فصيلة الحمير. وفي” حماري والذهب” لوحة مسرحية مليئة بلغة الباروديا التي استطاعت أن تحصر قيمة القناعة بشكل فني رائع عبر محاورة ماتعة بين الحمار الذي يعلن للمرة الأولى عن رغبته في الاغتناء والتمتع ببهرجة الحياة، بعد أن نظر إلى زخرف الدنيا فأغراه ببريقه، والحكيم الذي يحاول أن يرده إلى رشده مقنعًا إياه بسمو المبادئ على كل شيء مادي في الحياة، لتكون الغلبة في النهاية للحمار الذي جعل الحكيم حائرًا بين آراء الناس حول المال والمبدأ. وعلى الرغم من إعلان الحكيم فلسفته ورؤيته في مسألة الدفاع عن الكلمة والفكرة والمبدأ، إلا أنه عثر أمام حماره، أو لنقل بإنصاف أمام نظرة العالم، على المادة وبريقها. وفي “حماري والسياسة” حيث يدور الحوار بين الحكيم وحماره الذي أعلن رغبته الملحة في دخول غمار السياسة والانضواء تحت لواء حزب سياسي، غير أن المشكلة تكمن في اتصافه بمبادئ أخلاقية تتنافى مع الحقل السياسي، فهو من فصيلة تعمل بكد لأجل الغير، وتعلي من شأن المصلحة العامة. غير أن انضمامه إلى حزب بشري يقتضي منه تغيير هذه المبادئ النزيهة والتحلي بالنفاق والتزوير والاحتيال واستغلال الفرص والدوس على كل ما هو إنساني، لذا يعمد الحكيم إلى إقناع حماره بعدم خوض غمار السياسة خوفًا عليه من ضياع مبادئه، والتأثر بمبادئ الآخرين التي ستفقده مع الوقت انتماءه إلى بني جلدته.

وفي لوحة تالية تحت عنوان “حماري والطالبة” يحاصر الحكيم قيمًا أخلاقية كالحياء والاختلاط والمساواة، حين يستدعي للمحاورة طالبة جامعية تنتمي إلى جيل جديد يكون فيها الحمار سكرتيرًا خاصًا، بعدما لاحظ أن صاحبه لم يعد يعطيه ما يكفي من مؤونة تسد حاجته، فيدور الحوار بين الحكيم والطالبة حول مستجدات المعرفة والقيم التي صارت متهشمة بفعل الاختلاط مع الرجال لينداح الحوار إلى استدعاء المرجعية الدينية (آدم وحواء) مدارًا لمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، ليتم إثبات قيامها في بدء الخليقة. ما حفز الطالبة الجامعية على ضرورة الحصول على عمل كالرجال يكون فيه معيار الكفاءة أساسًا للتمايز، ليعمل الحكيم على إقناعها بقيمة المرأة في عين الرجال من بوابة الملكة والأميرة التي يخدمها الرجل، لتفطن الطالبة إلى أن هذا مجرد لون من الإغراء الإبليسي، ما يدفعها إلى الهرب بعيدًا، وينهي الحكيم محاوراته بلوحة أخيرة تحت مسمى “حماري والقاضية”، يستحضر فيها المرأة من جديد، لكن في صورة حلم يعبر عن هاجسه النفسي المخزن في لا وعيه، لتكون لغة الحلم نقلًا جميلًا لهذا الهاجس، بعدما ذكره حماره بزمن اشتغاله في القضاء، فالتمس منه أن يتصور جلسة قضائية في محكمة ترأسها امرأة. فحين يأوي إلى فراشه يشاهد حلمًا رأى فيه نفسه متزوجًا بامرأة قاضية، وأنه أب لطفلة في عامها الثالث، لتبدأ المرافعة التي كان موضوعها جريمة قتل زوجة لبعلها باستخدام السم لتفر مع آخر تحبه، بعد أن زوجها والدها بغير إرادتها من القتيل، ما جعل القاضية تفكر في اسم هذا السم الذي أراح القتيل وجنبه ألم القتل وعذابه، لينقل الحكيم موقف الرفض من الزواج عبر لغة ساخرة ركبت مطية التخييل، فيستفيق من حلمه وقد تدحرج من سريره على أرض الحجرة ويقول: “الحمد لله أنني سليم معافى ولم أتزوج قط… ولن أتزوج أبدًا حتى إذا اختارني ربي إلى جواره، وأدخلني الجنة فسوف أطلب إليه أن يكون بيني وبين الحور سور”.

إن اللوحات المسرحية في “حماري قال لي” استطاعت، عبر لغة بارودية ساخرة، أن تحاصر جملة من القيم الأخلاقية والإنسانية، وأن تخضعها للمساءلة داخل الواقع العربي عبر محاكاة خطوطه القيمية، حيث نجح الحكيم في محاوراته الفلسفية السفسطائية في عرضها أمام القارئ العربي، ليمنحه الإشارة لمباشرة الفحص والنظر من كثب في وجودها داخل المنظومة العربية، من أجل تشذيب أغصانها وتحريك الهمم لترميم الآيل منها للسقوط، وإعادة بناء القيم المتحطمة. فيكون الحكيم وهو يستثمر فلسفته الذهنية قد برع فنيًا وجماليًا في تقديم لوحة أدب ساخر متهكم ينتقد بواسطته الوضع العربي قيمًا وأخلاقًا وفكرًا ومبدأ وفلسفة ليضاف “حماري قال لي” إلى قائمة أعمال مميزة في مجال الأدب الساخر.    

جواد عامر

كاتب مغربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى