نيلافرونيل شوفرو: أدب بلا عنصرية
يسعدني، أنا الشاعرة والمترجمة اللبنانية البرازيلية تغريد بو مرعي، أن أرحب اليوم بأحد الأسماء البارزة في عالم الشعر والتحرير الأدبي، الشاعر والمحرر الهندي نيلافرونيل شوفرو، في لقاء يجمعنا على دروب الإبداع، تعزيزًا لجسور التبادل الثقافي والأدبي، وإيمانًا بأهمية الحوار بين الثقافات والإبداعات لإثراء المشهد الأدبي العالمي.
نبذة عن الضيف
نيلافرونيل شوفرو هو شاعر مرموق ومحرر بارز، يشغل منصب المؤسس ورئيس التحرير للمجلة الأدبية الشهرية “Our Poetry Archive”. كما أنه مؤلف مجموعة الشعر “Unsigned Epitaph”، التي أثرت بلمساتها العميقة وتعبيراتها الفلسفية بُعدًا مميزًا للمشهد الأدبي.
تميّزت قصائده بقدرتها على تجاوز الحواجز اللغوية، إذ تُرجمت إلى العديد من اللغات العالمية، بما في ذلك الروسية، الرومانية، الهنغارية، الإيطالية، الفرنسية، الإسبانية، الألمانية، البولندية، اليونانية، الصربية، المقدونية، السويدية، البرتغالية، الألبانية، الأرمنية، والأذربيجانية، إلى جانب لغات أوروبية وآسيوية أخرى. وقد نُشرت أعماله في العديد من المجلات الأدبية والمواقع الإلكترونية، بالإضافة إلى ظهورها في مجموعات شعرية مختلفة.
إلى جانب إبداعه الشعري، يتميّز نيلافرونيل برؤية فكرية ثاقبة، حيث يكتب مقالات معمقة تتناول قضايا اجتماعية ملحّة وشؤونًا دولية معاصرة، كما يشكّل الأدب الفلسفي إحدى الركائز الأساسية في إبداعه.
يشكّل هذا الحوار فرصة فريدة للغوص في عوالمه الأدبية والتعرّف إلى رؤيته حول الشعر والثقافة والفكر الإنساني. فأهلًا ومرحبًا بك في ضيافة مجلة البعد الخامس، من القلب إلى القلب.
تغريد بو مرعي: الشعر الحقيقي هو تجلٍّ للموهبة، لكنه وحده لا يكفي لبلوغ الإبداع المنشود. فما العوامل التي تسهم في تشكيل هذه التجربة الشعرية؟
نيلافرونيل: في الواقع، يعتمد ذلك على الشاعر نفسه، إذ يتميز كل شاعر بفرادته. فمن خلال شخصيته الفردية، يعمل على تطوير موهبته واستثمار إبداعه الداخلي للتعبير عن تدفق الخبرات الحياتية المستمرة. ومع ذلك، يمكن القول إن المبدأ الأساسي للشاعر يجب أن يكون مبنيًا على الرحمة، رحمة تشمل البشرية جمعاء، من دون تمييز على أساس العنصرية أو الدين أو الجنسية أو اللغة.
يتعين على الشاعر أن يكون صدى لألم عصره وبيئته، فإذا افتقد القدرة على التعاطف مع إخوته في الإنسانية، ستظل كلماته دائمًا فارغة من دون أي أهمية. فليس كل من أحبّ صار شاعرًا، ولكن كل شاعر هو عاشق، إذ ينبع إبداعه من حب الإنسانية والطبيعة، ومن فهمه العميق للعلاقات المتشابكة بين البشر والطبيعة. كما أن حب الفرح بالحياة أمر ضروري ليصبح الشخص شاعرًا.
تغريد بو مرعي: ما رأيك في واقع الحركة الأدبية اليوم، خاصة مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي؟
نيلافرونيل: مع الانتشار الواسع والسريع لوسائل التواصل الاجتماعي وظهور النشر الإلكتروني، تغيرت أبعاد النشاط الأدبي بشكل كبير، ونحن جميعًا نعيش هذه الأمور. في الوقت الحاضر، يمكن لأي شخص يمتلك طموحًا أدبيًا أن يصبح شاعرًا، حيث تُنشر ملايين القصائد يوميًا عبر هذه المنصات، ما يسمح للأفراد باكتساب شهرة سريعة، فجأة عبر الحدود، بناءً على الإعجابات والتعليقات. قد يبدو هذا مفيدًا في المدى القصير، ولكن في المدى البعيد مع تهدئة الغبار، ستتلاشى هذه الشهرة المفاجئة في النهاية.
يمكن للمرء بسهولة أن يقول: إن كتابة القصائد الشعرية ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا يؤذي أحدًا، لكن انخفاض القيمة الأدبية مع زيادة حجم الشعر بذاته سيجعل الشعر فارغًا، مما يؤدي إلى تراجع المستوى الأدبي عالميًا. ومع ذلك، حتى مع هذه الآثار السلبية، ومع هذا التصاعد السريع لوسائل التواصل الاجتماعي يمكن للشخص الوصول إلى جمهور أوسع بإنتاجات ذات جودة. لكن في الوقت الحالي، نجد أن الأعمال الأدبية الرديئة تنتشر بسرعة من خلال نطاقات الويب.
تغريد بو مرعي: كيف تنظر إلى النقد الأدبي؟ وهل ترى أن الشعر يمرّ في الوقت الحالي بحالة من التراجع؟
نيلافرونيل: لا شك أن النقد الأدبي يؤدي دورًا أساسيًا في مسيرة الشاعر، إذ يوجهه نحو التطور الأدبي في الاتجاه الصحيح. لذا، من أجل تحقيق مصلحتنا الشخصية، ينبغي علينا أن نتقبل النقد الأدبي البناء لأعمالنا. فالشاعر الحقيقي هو من يرحب بآراء ناقد قادر على تقييم القيمة الأدبية الفعلية لقصائده أو لأعماله. ومن يمكنه القيام بذلك سوى الناقد الأدبي؟ فمن خلال النقد، يحصل الشاعر على رؤية واضحة حول مدى جودة إبداعه، مما يساعده على تطوير أسلوبه وتحسين أعماله. لذا، لماذا لا نقدّر النقد الأدبي كوسيلة ضرورية للارتقاء بأعمالنا؟ إن تبنّي النقد الأدبي بوعي يمكن أن يحمينا من الوقوع في فخّ الوسطية الأدبية التي تفيض في نطاقات الأدب في هذا القرن الحالي.
النقاد هم من يقيّمون كتاباتنا استنادًا إلى معايير وقيم أدبية، بهدف إحداث تغييرات إيجابية في مهاراتنا. فهم يسلطون الضوء على مختلف الجوانب في أعمالنا، بما في ذلك نقاط القوة والضعف، وينبهوننا إلى الأخطاء في الوقت المناسب. هذا التوجيه النقدي قد يساعدنا على تطوير كتاباتنا وإجراء التعديلات اللازمة، ليس فقط على مستوى النص، بل أيضًا في تكويناتنا العقلية الخاصة. لذا، فإن النقد الأدبي الحقيقي يشكل قوة دافعة لأعمالنا نحو المزيد من التطور والإبداع.
نعم، صحيح أن الشعر يمر حاليًا بمرحلة من الانحدار على مستوى الجودة، في جميع أنحاء العالم، ليس في الكمية ولكن في الجودة، وفي القيم الأدبية. معظم الأنشطة الشعرية على الإنترنت تميل إلى أن تكون أدبية متوسطة الجودة، وهو ما يعكس الواقع الحالي. لكن هناك بعض الشعراء والقراء الذين يعملون باستمرار على تجاوز هذه الوسطية، وهم يفعلون ذلك بوعي تام. فهم مدركون تمامًا للظروف التي تحيط بالأدب حول مجالات نشر الويب. إذًا، الآن، يمكن للمرء أن يتساءل أيضًا، هل يمكننا كسر أغلال الرداءة الأدبية؟ نعم، يمكننا أن نفعل ذلك، من خلال التطوير الشامل للمجال المسمى بالنقد الأدبي.
تغريد بو مرعي: هل ترى فرقًا بين الشعر القديم والشعر المعاصر؟ وأي نوع منهما تفضّل؟
نيلافرونيل: كل فترة زمنية تميز بين الشعر المعاصر والشعر القديم. لكن الحقيقة أن الشعر المعاصر يصبح يومًا ما جزءًا من الشعر القديم. لذلك، يمكن القول إن الفارق بينهما ليس في المحتوى كثيرًا، بل في طريقة التعبير.
كل حقبة زمنية لها خصائصها الفريدة… الأدب المعاصر يفهم الحاضر… يعبر عن المزاجات الخاصة بزمانه. لذا، يحافظ الشعر القديم على تلك السجلات بتفاصيلها. شخصيًا، نعم، أفضل قراءة الشعر المعاصر، ولكن هذا لا يعني أننا يجب أن نعزل أنفسنا عن الشعر القديم أو الأدب بشكل عام، لأنه يشكل الجذر. الشعر بلا جذوره لا يُعتبر شعرًا حقيقيًا على الإطلاق. لذلك، على الشاعر أن يلتزم بالتقاليد بشكل قوي، فقط ليتمكن من كسر قيود الزمن لإنشاء مجال جديد من التعبيرات الفريدة مع الحفاظ على الجذور التقليدية ومنحها حياة جديدة. إنها المسؤولية الأساسية لأي مؤلف يرغب في أن يصبح شاعرًا متميزًا.
بالفعل، كفنان أو شاعر أو كاتب، نحن نحمل إرثًا من ماضينا الذي يستمر في الحاضر ويصبح خالدًا في المستقبل. هذه هي تقاليد العبقرية الأدبية التي نعتبر أنفسنا حملة شعلة لها. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الموهبة الفردية تكرر نفسها عبر العصور؛ على العكس، تضيء الموهبة الفردية تلك التقاليد بشخصيتها الفريدة وعبقريتها الإبداعية! فالأبدي يظهر من خلال هذه العبقرية الإبداعية في كل عصر.





