أدونيس: رؤية كما عرفته
لطالما رأيت أدونيس، بمحض المصادفة وعلى مدار عشرات السنين، في أحد مطاعم باريس. تجمعنا المسافة فقط، لكن حضوره كان طاغياً بشكل يستحيل تجاهله. كنت أجلس على طاولتي، وإذا بنظري يرتدّ نحو الطاولة المجاورة. هناك كان يجلس أدونيس، محاطاً بعدد من الأدباء، الكتّاب، والشعراء. للحظة ظننت نفسي وقد دخلت عالماً موازياً. أدونيس، الحضور الحيّ للأسطورة الشعريّة، بوقفته الرفيعة وقامته الواثقة، قبّعته التي تضفي عليه هيبة خاصّة، وشاله الأحمر الذي بدا وكأنّه تجسيد رمزي لشعره الثائر والمتعمّق في الوجدان.
أدركت في تلك اللحظة أنّني أمام شخصيّة فريدة. كيف لا وأنا أجاور إنساناً ألهم خيالي لسنين؟ غمرتني مشاعر الفرح والدهشة معاً، كطفل يكتشف كنزاً لم يكن يظنّ وجوده. جلست صامتاً أراقب هذا المشهد، ألتقط التفاصيل الصغيرة، حركاته وإيماءاته وحتى الكلمات التي كانت تخرج بدقّة ميزانه الشعري.
ومع مرور الزمن، لم أكن أتخيّل أنّ ذلك اللقاء الذي بدا عابراً آنذاك سيشكّل بداية صداقة امتدت عبر فضاءات مجلّة “البعد الخامس”. أصبحت لقاءاتي معه متكرّرة، نتناول الأدب والشعر، نخوض في أعماق الفلسفة ونسترجع شواهد التاريخ. ومع كلّ لقاء جديد كنت أخرج بفكرة أعمق ودرس غير متوقّع: في حضرة أدونيس، الحديث يغدو ظلاً للإصغاء والتأمّل.
لا أستطيع في هذا السياق إلا أن أتقدّم بالشكر لزميلتنا العزيزة ريجينا صنيفر، التي كان لها النصيب الأكبر في نسج خيوط هذا التعارف. لقد منحتني هذه الفرصة ومكّنتني من الاقتراب من شاعر استثنائي كأدونيس.
أدونيس ليس مجرّد اسم شعري كبير، بل هو تجربة معرفيّة وإنسانيّة متكاملة. تقديم عدد كامل من مجلتنا احتفاءً به وبفكره هو أقلّ ما يمكن إنجازه تجاه هذا الرجل الذي أعاد صياغة ملامح الشعر العربي الحديث ووضع لغتنا في أفق إبداعي جديد.
هذا العدد ليس تكريماً لشاعر فحسب، بل هو احتفاء بالفكر والإنسان الذي ألهم أجيالاً وأسهم بإشراقه الفكري في إنارة مسارات كانت عصيّة على الإضاءة.




