النهضة العربية غيمةٌ لا تُمطِر
من المأمون العباسي إلى طَلعتْ حربْ، ومن القاهرة الناصرية إلى بغداد البعثية، مرورًا بالدوحة ودبي.
في ملاحظاته حول النهضة العربية يستنتج المستشرق “لويس يونغ” أن العرب كانوا منذ عهد المأمون (القرن التاسع الميلادي) يبدعون فرادى، حتى إذا ما انطوت صفحة المبدع الفرد يهمل غيره ما بدأه، وإن هذا هو واحد من أسباب الانتكاسة العربية أو التراجع العربي. اعتقد أن هذه الملاحظة تطال في الصميم مشكلة النهضة والتخلف في العالم العربي، وهي على الأقل تصلح لأن تكون فرضية لمقاربة مشكلة النهضة من زاوية مختلفة.
ولتقريب الأزمان والتجارب نشير إلى ظاهرة النهضوي المصري الفرد أيضًا: طلعت حرب (1867 ـ 1941) الذي أسس بنك مصر ومجموعة من الشركات المصرية، فباتت بمثابة البنية التحتية لنهضة اقتصادية مصرية وعربية. وبعض ما أسسه حرب ما زال يعمل حتى اليوم، مثل بنك مصر، وشبكة من المصانع، والسينما المصرية… إلخ
“فليمت ألف طلعت حرب ويبقى بنك مصر”
تجربة “طلعت حرب” النهضوية بدأت بشعاره المقاوم “إذا أردت أن يكون قرارك من رأسك فلا بد أن يكون رغيفك من فأسك”. بيد أن حرب كان فردًا ورحل فردًا، من دون أن تتحول مبادراته النهضوية التأسيسية إلى مشروع مصري جماعي، ومن دون أن يقتفي الآخرون أثره. بل يمكن القول بألم شديد إن هذا البطل الفرد لم يجد من يدافع عنه، عندما استهدفه لوبي أجنبي ومصري فاسد، وضغط على بنك مصر مهددًا بسحب الودائع منه مرة واحدة، والتسبب بإفلاس البنك ما لم يتنحَ “طلعت حرب” عن إدارته، فكان أن استقال مضحيًا بنفسه من أجل المصرف مرددًا عبارته الشهيرة “فليمت ألف طلعت حرب وليبق بنك مصر”، ثم انزوى هذا الرجل بعد استقالته متألمًا حتى غيابه.
المؤسف أن “طلعت حرب” لم يتحول إلى مدرسة في مقاومة التبعية للأجنبي، الجديرة بالتحول إلى مدرسة رائدة في الفضاء المصري أو العربي، تمامًا كما لم يتحول المأمون إلى مدرسة في علم الفلك يمشي “بيت الحكمة” العباسي على رسمها. علمًا أن شرط النهضة الحاسم، كما يتضح من تجارب الشعوب الناهضة، ينطوي على تمكن الفكر النهضوي من نخبة ترعاها سلطة سياسية سيدة، وتزودها بالوسائل الضرورية للبناء الوطني، سلطة مصممة ومستعدة لخوض المعركة النهضوية بأبعادها ووجوهها كافة، تمامًا كما حصل مع ثورة يوليو في العام 1952 حيث نهضت قطاعات اقتصادية واجتماعية وثقافية برعاية الضباط الأحرار وزعيمهم جمال عبدالناصر، حتى صار الناهضون مثالًا يحتذى في العالم العربي، علمًا أن عمر “النهضة الناصرية” لا يتعدى العقد الواحد بكثير، لكنه كان كافيًا لوقد الجمر في مجتمع مصري وعربي، كان مستعدًا لكل التضحيات التي يطلبها “ابن البوسطجي” الذي أمم قناة السويس، وهو يبتسم ساخرًا من القوى العظمى التي عاقبته بحرب شاملة في العام 1956 خرج منها مظفرًا.
التجربة الناصرية
وكما في مثال “طلعت حرب” لم يكن الوقت متاحًا بما فيه الكفاية لكي تتجذر المقاومة النهضوية الناصرية، وتصبح ثقافة راسخة وغير قابلة للنكوص، فكان أن كنس جوهرها الرئيس أنور السادات بسهولة، إذ اختار التبعية لأمريكا عبر تأكيده المستمر أن واشنطن تملك 99 بالمئة من أوراق السلطة في الشرق الأوسط وأنه، أي السادات، سيعمل معها وليس مع الاتحاد السوفييتي، حليف ناصر في الحرب الباردة، ومزود مصر بالوسائل القتالية التي تحتاج إليها. بعبارة أخرى اختار السادات نقل مصر من موقع المقاومة النهضوية والمجابهة مع إسرائيل إلى موقع التبعية والخروج من القتال، ولكل موقع علاقاته وتحالفاته.
تراجعت، مع الخيار الساداتي التابع، فرص النهضة المصرية وانتظمت القاهرة في هرم الغلبة الأجنبية، وصارت في موقع يردف السياسة الغربية بما تحتاجه في الشرق الأوسط، بعد أن كانت المرتل الثوروي المناهض لها.
التجربة العراقية
الواضح أنه بعد الخضوع المصري ساد التراجع مجمل العالم العربي، وما عاد موضوع النهضة يحتل موقعًا متقدمًا في الحركة السياسة العربية. وشهد العرب محاولات جزئية محدودة الأفق، كما هي الحال في عراق الرئيس الراحل صدام حسين الذي استثمر جزءًا من واردات العراق النفطية في تأهيل نخبة علمية عراقية، كادت أن تحدث نقلة نوعية في موقع العراق لولا القرار الخاطئ بشن الحرب على إيران (1980 – 1988). وما كادت تنتهي الحرب الإيرانية – العراقية حتى اندلعت حرب الكويت التي ستستكمل انهيار العراق، وستلحق أذى كبيرًا بالأمة العربية ما زلنا نعاني منه حتى اليوم، وقد نعاني لوقت طويل. ولم يكن مفاجئًا أن الدول الغربية التي وقفت كلًها إلى جانب الرئيس العراقي الراحل في حربه على إيران عادت ووقفت كلها ضده في حربه على الكويت في العام 1990، وفي الحرب على العراق في العام 2003
إن الخط الكامن في الاستثمار العلمي العراقي يكمن في توطين العلوم الحديثة، أساس الحضارة الغربية، وردف هذه المحاولة بخطاب قومي يزعم أنه مقدمة للنهضة العربية. وحاول صدام حسين أن يقرن القول بالفعل عندما بادر إلى تشكيل مجلس التعاون العربي (1988) الذي كان يضم إلى بغداد كل من صنعاء والقاهرة وعمان، وإلى توطين الثورة العلمية العراقية التي حققت انجازات مهمة خلال وقت قصير. لاحظنا في حينه أن قمرًا اصطناعيًا عراقيًا تم إطلاقه بوسائل عراقية عشية غزو الكويت، فضلًا عن أنموذج مصغر لطائرة من دون طيار إلى أن قطع غزو الكويت الطريق على هذا الاستثمار الضخم. والمؤسف أن مئات الكادرات العلمية تعرضت بعد الاحتلال الأمريكي للاغتيال المنظم من أجل إسقاط التجربة العراقية العلمية بالضربة القاضية، وفرض التبعية والخضوع على هذا البلد تحت شعارات ديمقراطية مضللة.
الاستثناء القطري الإماراتي
بخلاف العراق بذلت دول الخليج العربي التي انتظمت في مجلس للتعاون المشترك (1981) جهودًا نهضوية حثيثة، لكنها ظلت تحت سقف سياسي متدن، فكانت الاستثمارات تبذل في إطار وطني قاعدته “الديمغرافية ضعيفة في كل بلد على حدة”، وكانت الخلافات الخليجية – الخليجية القوية تحول دون انبثاث المحاولة في البنية التحتية العلمية الخليجية عمومًا، لذا نلاحظ أن دول هذه المنطقة بذلت أموالًا طائلة في المجال الصحي كل على حدة، ومن دون تعاون مشترك يتيح خفض الكلفة ويتيح – وهنا الأهم – التفاعل المشترك، وتاليًا تحقيق نهضة شاملة تساعد دولة الخليج في الخروج من التبعية إلى العالم الغربي.
في مجالات عديدة ظل الاستثمار التنافسي قائمًا بين الدول الستة التي لم تنجح حتى اليوم في تحقيق إنجاز معتبر، باستثناء كأس الخليج في كرة القدم، وأخيرًا كأس العالم في الدوحة، ولكن ما عجز عنه الخليجيون مجتمعين تمكنت دولة قطر الصغيرة من الإقدام عليه من دون وجل أو خوف.
ويستفاد من وقائع السنوات العشرة الماضية أن الإمارة الصغيرة، التي لا يتعدى عدد مواطنيها الأصليين نصف مليون نسمة، تمكنت من تحقيق نهضة سريعة في عدد من المجالات وفي طليعتها المجال الإعلامي، حيث يمكن القول من دون تردد إن قناة الجزيرة الفضائية هي الوسيلة الإعلامية العربية الوحيدة التي يمكنها أن تنافس كبريات وسائل الإعلام في العالم، وهي الوحيدة التي تستحق اللقب الدولي، وتفيد مصادرها أنها تمثل العلامة التجارية الخامسة في الترتيب العالمي. وفي المجال الدبلوماسي احتلت قطر مكانة مرموقة خلال فترة زمنية قصيرة، فغدت لاعبًا مهمًا في الأزمات كافة التي تدور في العالم العربي والإسلامي.
وفي المجال العمراني والبنية التحتية تشهد هذه الإمارة توسعًا لا يضاهيه سوى توسع إمارة دبي، وتتحول في المجالين الثقافي والفني إلى عاصمة جدية للنقاش والمطارحة حول مختلف الشؤون العربية والإسلامية والدولية. وفي المجال الرياضي كان لا بد أن تتوج تقدمها بالحصول على فرصة تنظيم كأس العالم في كرة القدم في العام 2022، وهي المرة الأولى التي يتم فيها هذا الأمر في دولة عربية وشرق أوسطية.
بيد أن “النهضة” القطرية، على أهميتها، لا يمكن أن تبشر بنهضة عربية شاملة، ذلك أن المحيط العربي الخليجي يتطلع بعين الريبة إلى النهوض القطري، ويسعى إلى صد مفاعليه وآثاره على البلدان الخليجية الأخرى، وفي عموم البلدان العربية. وتبذل قطر استثمارات مهمة في عدد من الدول العربية، بيد أنها غير قادرة على مواكبتها وتأطيرها بسب محدودية حجمها الديموغرافي، وتوجس الآخرين من الأغراض القطرية المبيتة، والراجح أن هذا التوسع النهضوي القطري كان وما زال وربما سيظل محكومًا بالخوف من المملكة العربية السعودية، الجار الكبير والقوي، والذي يشترك مع القطريين في العقيدة الوهابية والصلات القبلية القوية، والذي قام أصلًا على التوسع في حدوده كافة، وتاليًا، بات من الصعب أن يبعث الاطمئنان في نفوس جيرانه خصوصًا إن كانوا صغارًا كدولة قطر.
تبقى الإشارة إلى أن النهضة القطرية محمية بقاعدة عسكرية أمريكية، يقال إنها الأهم والأكبر في الشرق الأوسط، وبما أن هذه القاعدة هي الضامن للثروة وللنمو القطري فمن الصعب التعويل على اختراق نهضوي قطري للبلدان العربية الخليجية وغير الخليجية التي تتمتع شعوبها بثقافة سياسية راسخة مناهضة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وتتوجس من التدخل الإعلامي القطري في شؤونها الداخلية.
خلاصة القول في “النهضة” القطرية أنها سريعة وشاملة واستراتيجية وعابرة للحدود القطرية، لكنها بالمقابل تعاني من الضعف الديمغرافي، ومن ضمانتها العسكرية الأمريكية، وهي بهذا المعنى غير مرشحة للتوسع والتحول إلى نهضة عربية شاملة، بكلام آخر هي قطرية تفيض عن حجم قطر، وتقل كثيرًا عن حجم العرب.
وفي السياق، لا بد من الإشارة إلى المثال الإماراتي وخاصة تجربة إمارة دبي، حيث يلاحظ انفجار عمراني، لا مثيل له في العالم، يدور حول حركة رساميل عملاقة عابرة للحدود، بيد أن هذا المثال لا يتعدى الإمارة، ثم إنه لا يدعي وصلًا بأي من العروبيات السياسية المتداولة، بل لشدة استخفافه بالمجال العربي يلاحظ أن اللغة العربية هي الأضعف في الإمارات التي يستخدم الناس فيها اللغة الإنجليزية في القسم الأكبر من معاملاتهم، وعليه تبدو نهضة دبي وكأنها محصورة في مكان محدود وغير قابلة للتوسع في المحيط، نظرًا لشروطها الأصلية المستمدة من خارج المحيط. لذا، ليس من الصعب أن نقف على أثر الهنود والآسيويين في هذه الإمارة، وأعدادهم المتناسبة مع تطلعها الآسيوي ومع مصالحها المبثوثة في آسيا، وفي عواصم الاستثمار في أربع بقاع الأرض، وتاليًا لا تنطوي على وعود عربية شاملة. وهي أصلًا لا تدعيها، ما خلا بعض الأمثلة الثانوية، حيث يعبر شيخ الإمارة عن تعلقه بالخيول العربية، ويبذل استثمارات مهمة في تأصيل الخيل العربي، ويسعى إلى استمالة النخب العربية وحماية الإمارات من النقد والتحريض والترويج للاتفاقات الابراهيمية.
هكذا تشهد قطر والإمارات العربية المتحدة تجربة نهضوية تحت سقف التبعية للولايات المتحدة الأمريكية والغرب عمومًا، فتبدو وكأنها امتداد للأسواق الغربية، لذا من الصعب الرهان على استقلالها وسيادتها، ويمكن القول إن تبعيتها شرط حاسم لنهضتها العابرة.
يملي ما سبق عددًا من الملاحظات:
أولًا: منذ القرنين العاشر والحادي عشر، بدأ العالم العربي والإسلامي يتراجع بعد أن حقق نهضة أشرقت على العالم لقرون عديدة، وهذا التراجع مرده إلى انفصال العلوم الدينية العربية عن العلوم الأجنبية الفلسفية، ومنذ فشل تجربة ابن رشد في تحقيق الوصل بين الشريعة والحكمة، يقود التيار الديني، الراعي لذلك الانفصال، العرب والمسلمين من تراجع إلى تراجع، الأمر الذي استدعى حديث النهضة في القرن التاسع عشر، وتاليًا محاولة إعادة الوصل بين علوم العرب وعلوم الأجانب من دون إقرار صريح بذلك. لذا، يلاحظ أن علامات النهضة التي وقعت منذ تلك الفترة وحتى يومنا هذا هي التي قامت على الاتصال بين علوم العرب والحكمة الأجنبية، وعبر تكنولوجيا الأجانب ومعارفهم في العصر الحديث.
ثانيًا: لا بد من التمييز في مجال النهضة بين مرحلتين. المرحلة الأولى كان العرب فيها يسيطرون على النظام الدولي أو على جزء مهم منه، وامتدت هذه المرحلة مع السيطرة الإسلامية العثمانية إلى مطلع القرن العشرين، حيث ألغى الأتراك الخلافة ودخل العرب والمسلمون فناء التبعية، وما عاد الأمر لهم في تقرير مصيرهم، وإنما للأجنبي الذي ساد وسادت معه أفكاره وعاداته وتقاليده التي صارت كونية، وصار اتباعها شرطًا للتعايش مع الأجنبي، وصار كل حديث عن النهضة يتم بصيغة الاعتراف بسيادة الأجنبي وبتبعية العربي، الضمنية أو المتنكرة، في حديث الحرية والسيادة والاستقلال.
ثالثًا: إن التجارب النهضوية العربية في العصر الحديث كانت على قياس السيادة، فبقدر ما تكون سيدًا بقدر ما تحقق قفزة نهضوية واسعة، كما هي الحال في مبادرة طلعت حرب الفردية وفي مبادرة ثورة يوليو المصرية، أو تجربة البعث في العراق وسوريا، وأخيرًا في مبادرة أمير قطر أو محمد بن زايد الأخيرة. في كل هذه التجارب كان الفضاء العربي يتفاعل بسرعة ويبدي استعدادًا للتضحية من أجل النهضة، غير أن المحاولة النهضوية تلو المحاولة كانت تطعن في الظهر، ويرمى أصحابها من بعد بشتى التهم والشتائم.
رابعًا: لقد أضاع العرب في العصور الحديثة وقتًا طويلًا في مجابهة بعضهم البعض، حيث اعتبر شطر منهم أن النهضة العربية أو الحداثة تتم عبر الأيديولوجية العلمانية وتهميش الدين الإسلامي، واعتبر البعض الآخر أن النهضة لا تتم إلا بالمزيد من التشدد الإسلامي والانغلاق الدفاعي على الذات الإسلامية خوفًا من تشويهها وتلويثها بـ”الحداثة الكافرة”. ولعل هذا الانقسام يلحق أذى كبيرًا بالتيار النهضوي الإسلامي الذي انبثق على أيدي جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وأصحابهم ومريديهم من بعد، وهو التيار الذي ينطوي على إعادة اعتبار ضمنية للرشدية المصرة على الوصل بين علوم العرب وعلوم الأجانب، كما لاحظنا في مدخل هذا النص.
وإذا كان شرط النهضة عقيديًا تاريخيًا وحكميًا حداثيًا، فإنها لا تتم إلا في سياق تاريخي عربي، ولا بد من التوقف عند بعض ملامحه في النهضة التاريخية الأولى التي تمت في العهد العباسي، وبخاصة تجربة بيت الحكمة في بغداد، وتجربة الأزهر في مصر، وتجربة الزيتونة في تونس، والتجربة الأندلسية لنصل من بعد إلى حالتنا الراهنة.
ظاهرة بيت الحكمة في بغداد ودار الحكمة في القاهرة
كانت دار الحكمة في بغداد عنوانًا بارزًا من عناوين النهضة العربية الإسلامية التي تحولت فيها عاصمة الرشيد إلى ركن تدور حوله أنشطة العالم المختلفة. وكان هذا الموقع يحتاج إلى قوة ثقافية تعبر عنه، فكان بيت الحكمة الذي يعد واحدًا من البيوت القليلة في تاريخ البشرية التي ندين لها، وتدين لها الحضارة العالمية بالشيء الكثير. لقد تجمعت في بيت الحكمة كل آثار الأمم العريقة البيزنطية والفارسية والهندية والرومانية، وتجمع المترجمون من كل بقاع الأرض، وتمحور حول البيت أهل القلم المعروفين في أراضي الخلافة الإسلامية الواسعة، وفي هذا البيت تكونت نخبة ما زالت تزرع أرض الخلافة وبلاط الحكام في كل مكان.
ومع أن الخليفة المأمون ورث بيت الحكمة عن أبيه، إلا أنه منحه عنايته الخاصة ووفر له كافة السبل التي تتيح له انطلاقة جديدة، فتضاعف حجم الكتب وتضاعف عدد الباحثين والمترجمين، وتعددت أجناس أهل القلم المتمحورين حوله، حتى ذاع خبره في الأقاصي إلى ما وراء حدود الخلافة.
وفي القرن الحادي عشر الميلادي، مشى الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله على خطى المأمون، على الرغم من انتمائه إلى المذهب الإسماعيلي، واختلافه عن العباسيين السنة. أسس الحاكم دار الحكمة في قاهرة المعز لدين الله، ويروى أن هذه الدار قد ضمت أكثر من مليون ونصف مليون مخطوط، وأنها كانت متاحة للجميع.
ويمكن الحديث عن تجارب أخرى مماثلة في جامع قرطبة في الأندلس، وفي جامع الزيتونة في تونس، ولكن مجمل هذه التجارب كانت متأثرة ببيت الحكمة في بغداد.
وإذا ما أردنا تفسير نجاح هذه التجربة، ومعرفة مدى فضلها المفترض على نهضة عربية طال انتظارها، فإنني أنظر إلى أسبابها في شقين: الشق الأول سياسي، ويتصل بخلفاء متنورين استطاعوا أن يحققوا الوصل بين علوم الأجانب الفارسية والرومانية واليونانية والهندية والبيزنطية وبين علوم العرب الدينية، وهذا الوصل ما كان له أن يتم لولا حرية التعبير والقول التي أتيحت للنخب كي تبحث وتنتج وفق اختصاصها، وبرعاية مباشرة أحيانًا من الخليفة في مثالي المأمون والحاكم بأمر الله.
ولعل الرعاية السياسية القوية ساعدت في توفير الوسائل التقنية، حيث استطاع العرب استخدام الورق على نطاق واسع، وشجعوا مهنة الوراقين والنساخين والمجلدين، وحفظ الكتب في مكتبات انتشرت في المنازل وفي المساجد وفي قصور الخلفاء.
إن الشروط التي تحكمت بنشوء ظاهرة بيت الحكمة، في سياق النهضة العباسية، ليست بعيدة كثيرًا من تلك التي رافقت نهضة الأزهر في الفترة الناصرية، أي تحقيق الاتصال بين “الحكمة والشريعة الإسلامية” أو المواءمة بين علوم العرب وعلوم الأجانب، بعبارة أخرى بين علوم الدنيا وعلوم الآخرة، كما يلاحظ في القانون رقم 103 للعام 1961 الذي أصدره الرئيس جمال عبد الناصر حول دور “الأزهر” وينص على:
“… ملامح الأزهر الجديد، أنه يعيش بالإسلام في واقع المجتمع، وينفث روح الدين في شتى مجالات العمل في الدنيا، ويأخذ مكانه في العالم من خلال هذا الدور الذي يربط علوم الدين بالدنيا…” (ويكبيديا حول الأزهر)
الأندلس تجربة رائدة
إذا كان الهجوم البربري المغولي على بغداد (1257 م) وضعف الخلافة العباسية قد خلفا تأثيرًا سلبيًا حاسمًا في النهضة العلمية التي شهدتها الخلافة العباسية، فإن الأندلس كانت قد شهدت تجربة نهضوية فريدة من نوعها، تستند إلى الاندماج بين عالمين وثقافتين ومجتمعين. وكان من أثر هذا الاندماج أن نهضت العلوم العربية في المجالات كافة، واستقطبت طلابًا من مناطق العالم المعروف كلها، ولشدة نجاحها وأثرها العميق في الأندلس وأوروبا عمل الحكام الذين تولوا الأندلس بعد هزيمة العرب، في القرن السادس عشر، على استئصال الأثر العلمي العربي النهضوي طيلة قرن كامل، ولما لم يتمكنوا من استئصال كل الناس طردوا في مطالع القرن السادس عشر ما تبقى من الأندلسيين، من ذوي الأصول العربية، إلى شمال إفريقيا، لتنتهي بذلك تجربة تاريخية في التقدم الحضاري المبني على الاندماج بين حضارتين وثقافتين وأرضين.
والحق، أن الضعف السياسي لدى حكام الأندلس يتحمل الجزء الأهم من المسؤولية عن سقوط هذه التجربة، بيد أن السجال الديني حول العلاقة السلبية بين الشريعة الإسلامية والعلوم الفلسفية اليونانية قد انتهى إلى تشجيع القطيعة مع العلوم الأجنبية، والالتفاف حول العلوم الدينية العربية. وكان أبو حامد الغزالي رائد هذه القطيعة، والمبشر بها في كتابه الشهير “فيصل التفرقة بين الشريعة والزندقة”، وإذ حاول ابن رشد بعد وفاة الغزالي تبيان خطأ هذه القطيعة، والدعوة إلى تحقيق الاتصال بين علوم الدين وعلوم الدنيا، من خلال كتابه السجالي “فصل المقال بين الحكمة والشريعة من اتصال”، فإنه لم يوفق في مساعيه وأحرقت مؤلفاته، ولم يستأنف عمله كقاض إلا قبل وفاته بسنتين. ومع انهيار تجربة ابن رشد انتصرت القطيعة في القرن الحادي عشر، وتم الاجتثاث العربي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، لتنتهي تجربة الأندلس النهضوية التي ربما كانت الأغنى والأهم في تاريخ البشرية.
النهضة العربية غيمة بلا مطر
ما من شك أن تجربة الأندلس، على الرغم من أهميتها ومأساويتها، كانت تنطوي على المثال الأعمق للنهضة التي ترجوها أمة معينة، وفي اعتقادي أنها ما زالت صالحة منهجيًا لكي تكون منارة للهداية إلى المستقبل.
لكن، كيف، ومتى ننهض، وبأي وسائل؟! ما من شك في أن المخزون التاريخي لتجاربنا النهضوية يمكن أن يمنح أحلامنا النهضوية شرعية لا جدال فيها، فنحن شركاء أساسيون في بناء الحضارة العالمية، ولا بد لنا أن نستأنف هذه الشراكة التي لا يمكن أن تمنح لنا، بل علينا أن ننتزعها بالنهوض إلى المرتبة التي تتناسب مع موقعنا التاريخي. وحتى نرى بوادر هذا الحلم لا بد من الانطلاق من قواعد أساسية سأحاول تكثيفها في عناوين عريضة.
بما أن البشر هم الذين يصنعون النهضة، فإن حالهم يعد بها أو يعد بغيرها، وتاليًا، لا نهضة عربية لعرب لا يتمتعون بحق التعبير عن كامل طاقاتهم وقدراتهم، ولا نهضة عربية لعرب ليسوا أحرارًا في صناعة وسائل حياتهم الضرورية، وليسوا أحرارًا في اختيار حكامهم في دول عديدة، وليسوا أحرارًا في الدفاع عن أراضيهم ومواجهة مغتصبيها. ولا نهضة لعرب تابعين، يقلدون المتبوعين في ملبسهم ومأكلهم وذوقهم بطرق غبية. ولا نهضة لعرب يظن مفتيهم الأكبر أن الأرض ليست كروية، لأن القائل بكرويتها أجنبي ملحد. ولا نهضة لعرب يعتقد كل منهم أن عدوهم هو جاره، وأن مجده يبنى على تحطيم جاره وإلغائه من الوجود.
لا ينهض العربي عبر إلغاء العربي. ولا نهضة لعرب يعتقدون أن التنكر لدينهم الإسلامي هو شرط تقدمهم. نعم، لا ينهض عرب يطلقون النار على تراثهم الإيماني الرائع. ولا نهضة لعرب ينظرون في مرايا الغرب، ويسعون إلى مطابقة أحوالهم على ما يرون. ولا نهضة لعرب يتخلون عن موسيقاهم وشعرهم ونثرهم ولغتهم، ويتبنون الرائج الغربي بوصفه حضاريًا ومتقدمًا، والتبني لا يغير شيئًا في حال العرب، بل يزيد في تبعيتهم ويعمق استلابهم عبر الثقافة السائدة. وفي نهاية المطاف هي ليست ثقافتهم، وإن ادعى أصحابها عالميتها، فأي عالمية تلك التي تنطوي على محو أثرك لصالح أثر غالبك! والسقوط في ثياب الغالب لا يشهد على نهضة، وتبني ثقافة الغالب حصرًا والتخلي عن ثقافتنا يؤبد تبعيتنا، فرفض ثقافة الغالب وإعدامها لا تنطوي على وعد نهضوي صادق، ولعل المطلوب هو ذلك الإبداع الرشدي الذي يتنقل حرًا من فكرة إلى فكرة، ومن حجة إلى حجة، ذلك أن “الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له”.
تبقى الإشارة إلى الشرط الحاسم في النهضة العربية، وهو مقاومة التبعية والسيادة المطلقة على الذات العربية. فلا ينهض العبيد، ولا ينهض التابعون، ولا ينهض المكتومة أنفاسهم، ولا ينهض الطغاة، ولا ينهض المستبدون، وإن كذبوا حول عدل غاشم. نعم، لا ينهض إلا الأحرار والأسياد والمرفوعة رؤوسهم.
أما متى ينهضون! فذلك يتم ابتداء من اللحظة التي يمتلكون فيها حرية تقرير شؤونهم بأنفسهم، ومن أجل أنفسهم، ساعتئذ يتفجر تعبير الأحرار عن أنفسهم، ومن التعبير الحر يبدأ عصر جديد ومصير جديد.





