وجودنا، كرامتنا
بدءًا من فيلم “كفر ناحوم”
ما تينغ، باحثة في مركز الدراسات الشرق الأوسطية، جامعة صن يات-سين
تانغ شنغ تشيانغ، باحث مساعد في مركز الدراسات الشرق الأوسطية، جامعة صن يات-سين
في مشهد الافتتاح لفيلم “كفرناحوم”، يقف زين الحاج (الدور الرئيسي) الهزيل في المحكمة، مقاضيًا والديه لأنهما “منحاه الحياة”. هذا الادعاء الذي يحطم القلب ليس مجرد صرخة طفل ضد قدر غير عادل، بل يعمل كموشور يعكس تأمل الأمة العربية المعقد في معاناتها الطويلة ومأزقها الحديث. يتجاوز الفيلم العاطفية الإنسانية الشائعة في موضوع اللاجئين، لينغمس في مياه أعمق حيث تتدفق تيارات خفية تتعلق باستمرارية الأمة وكرامتها ومصيرها المستقبلي، مقدماً تحولاً عميقاً في سردية القومية العربية ضمن صدمة المجتمع المعاصر.
خلفية الفيلم بحد ذاتها استعارة ثقيلة. لبنان، هذه الأرض التي كانت تُسمى ذات يوم “سويسرا الشرق الأوسط”، تحمل منذ فترة طويلة شروخ السياسة الطائفية وصدمة ذاكرة الحرب الأهلية والتأثير المستمر لموجات اللاجئين من الدول المجاورة. هنا، السرديات الكبرى التي وعدت بها القومية العربية الشاملة الوحدة والكرامة والإحياء قد تلاشت منذ فترة طويلة في الواقع، وتحولت إلى كفاح يومي ملموس في الأزقة والشوارع. عائلة زين في “كفر ناحوم”، كلاجئين سوريين، هي بالضبط التجسيد المصغر لإفلاس هذه “السرديات الكبرى”. لقد قذف بهم إلى منطقة رمادية من القانون والضمان الاجتماعي، فلم يمنحهم ما يسمى “الجماعة القومية” الحمايةَ، بل جعلهم كما يصفهم الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين (Giorgio Agamben) “حياة عارية” (Homo Sacer): يبقى لهم مجرد البقاء البيولوجي، بينما تُسلب منهم الهوية الكاملة سياسياً واجتماعياً.
في الفيلم، سلوك والدي زين في التناسل المستمر رغم الفقر المدقع، يشكل سخرية قاسية من المفهوم التقليدي “التناسل يعني استمرارية الأمة”. عندما يصبح البقاء ذاته معركة، لا يحمل قدوم الحياة الجديدة الأمل بعد الآن، بل يتحول إلى عبء أخلاقي لا يُحتمل. لذلك، فإن ادعاء زين “سأقاضيهم؛ لأنني ولدت” يتجاوز نطاق الأخلاق الأُسرية، ليصبح احتجاجاً حاداً على العقد الاجتماعي الفاشل والوعود القومية الجوفاء. إنه يدفع المشاهد للتفكير: عندما تعجز جماعة ما عن توفير الكرامة الأساسية لأضعف أعضائها، فأين تكمن الحجر الأخلاقي الذي تقوم عليه هذه الجماعة؟ هذا التناقض الذاتي العميق هو انعكاس مصغر للقلق الجوهري للقومية العربية المعاصرة: في الفجوة التاريخية حيث النظام القديم ينهار والطريق الجديد لا يزال غامضاً، كيف تُعرّف مستقبلاً تحفظ فيه الكرامة؟
بهدوء، تمسح عدسة الفيلم أطراف بيروت، حيث الفقر وعمالة الأطفال وزواج الأطفال وفشل القانون. زين يدفع أسطوانات الغاز الثقيلة عبر الأزقة، بينما تُزوج أخته سحر لصاحب المنزل مقابل مأوى، هذه الحبكات ليست مجرد نقد اجتماعي، بل هي قلق عميق بشأن ركود تطور الأمة. تتعارض رؤية النهضة والحداثة في المثل القومي العربي بشدة مع الجمود التنظيمي الذي يظهره الفيلم. ما يحبس زين ومن معه ليس الفقر الاقتصادي فقط، بل يكون البنى الاجتماعية المتجذرة والمعقدة وأغلال الأفكار. هنا، يتحول الفيلم إلى تشخيص هادئ، مشيراً إلى أن علل الأمة لا تأتي فقط من الضغوط الخارجية، بل أيضاً من تربة داخلية عميقة تتطلب الإصلاح والتنوير. إنه ينادي بروح قومية جديدة تتجه إلى الداخل، مكرسة للعدالة الاجتماعية وتحرير الإنسان.
في هذه الصورة القاتمة، تشكل وجوه الأطفال البؤرة الأكثر إيلاماً. زين، سحر، يونس… عيونهم التي كان من المفترض أن تعكس مستقبل الأمة، قد غُطيت مبكرًا بغبار المعاناة. وضع الفيلم استغلال وإيذاء الأطفال في مركز السرد، وهذا ليس مصادفة. إنه يلامس قضية هي الأكثر حساسية وحسمًا في السردية القومية العربية: إذا سُلب “غد” الأمة طفولتها وتعليمها وأملها في “اليوم”، فستفقد جميع السرديات الكبرى عن النهضة أساسها. الشفقة العميقة والتحديق الذي يمنحه الفيلم لوضع الأطفال، هو بالتحديد الخوف الأعمق والأكثر إلحاحاً لمستقبل الأمة أي حماية الأضعف يعني حراسة قوة الحياة الجوهرية للأمة.
ومع ذلك، فإن “كفر ناحوم” ليس مرثاة خالصة. قوة الحياة العنيدة التي يحملها زين، واحتجاجه الذي يرفض الصمت، أكسبه في نهاية الأمر وثيقة هوية قانونية. الابتسامة النادرة التي تفتحت على وجهه في نهاية الفيلم، مثل شعاع ضوء يشق ضباباً كثيفاً. هذه النهاية ذات الدلالة الرمزية لا تقدم حلاً سهلاً، لكنها تشير بحزم إلى أهمية القانون والهوية والاعتراف بالكرامة. إنها تضع أملاً حذراً: طريق نهضة الأمة، ربما يبدأ من تحرر كل فرد من القدر المُحدد، ونيل “الوجود” والحقوق المعترف بها قانونياً. هذا يشير إلى تخيل قومي أكثر فردية، وأيضاً أكثر اعتماداً على حقوق المواطنة، يربط مصير الأمة بكرامة وعدالة كل عضو فيها بشكل ملموس.
ومن ثم، يصبح “كفر ناحوم” مرآة ثقافية فريدة. من خلال قصة طفل قاسية للغاية، لكنها مليئة بقوة الحياة، يسحب الفيلم القومية العربية من المجال المجرد للتاريخ والسياسة، إلى واقع إنساني ملموس، مليء بغبار الحياة ودموعها. هنا، لم تعد القومية هي الأعلام والخطابات في الساحات، بل هي بحث الناس في القاع عن “البيت” و”الانتماء” و”المستقبل” في فجوات البقاء، هي غضب ضد الظلم، وهي أيضاً تمسك بالكرامة. يشير الفيلم إلى أن إعادة بناء الروح القومية الحقيقية، ربما يجب أن تبدأ بالاعتراف الجاد بحياة كل “زين”، وأن تبدأ فوق أنقاض السرديات الكبرى، ببناء تخيل أخلاقي جديد قائم على الاهتمام الملموس والعدالة والكرامة.
بقوته العاطفية التي تلقى صدى عالمياً، يفتح هذا الفيلم نافذة مليئة بالتعاطف لفهم العالم للصدمات الداخلية والمرونة الروحية للعالم العربي؛ وفي الوقت نفسه، يقدم حاشية بصيرة قوية وعميقة للتأمل الذاتي الداخلي وتجديد الخطاب في الثقافة العربية. في نظرة زين، ما نراه ليس معاناة طفل فقط، بل هو سؤال صعب لأمة عن مصيرها، بينما هي تتكسر وتعيد البناء.





