زياد الرحباني عبر أثير إذاعة صوت “فان”….
عندما تجرّأ قلبي وعقلي على المغامرة في استضافة صاحب السطوة الإعلامية زياد الرّحباني، لجأت إلى وساطة القديرة كارمن لبس… وبعد مناقشة الموضوع معها، مرّت عدة أيام ولم أحصل على جواب، لا سلبي ولا إيجابي… اعتبرت، ربما، أن الوقت غير مناسب ونسيت الموضوع.
إلى أن وردني اتصال صباحي، من دون سابق إنذار، في منتصف شهر شباط من سنة ٢٠١٣… وبجدية مطلقة، وبصوت فيه كل وهرة المحقق، سألني: هلا حداد معي؟
أكدت له أنني هلا حداد، فسألته: «مين حضرتك»؟ جاء الجواب: زياد الرّحباني.
للحظة انخطفت روحي عن الوجود، وسألت نفسي: هل هذا زياد الرّحباني بذاته، أم أن أحدهم ينتحل صوته وشخصه واسمه؟
بعد استيعاب اللحظة، رحبت به… فأخبرني أن كارمن لبس نقلت له رغبتي في إجراء حوار إذاعي معه عبر الإذاعة الأرمنية “صوت فان”.
وبدردشة هاتفية صباحية طويلة، اتفقنا على التاريخ وضربنا موعدًا للقاء في ٢٨ شباط ٢٠١٣.
نقلت إلى مدير الإذاعة وقتها، “أفيديس كيدانيان”، موافقة زياد الرّحباني لإجراء المقابلة معه.
ومن يومها ارتديت سترة القلق والتوتر والتحضير والخوف من عدم حضور الرّحباني، إذ كانت هناك شائعات تقول إنه غير ملتزم ولا منضبط بالمواعيد.
جاء اليوم الموعود، وتاه زياد الرّحباني عن طريق الوصول إلى الإذاعة… استعنا بأحد الشباب المقربين من الإدارة ليصل إليه بالدراجة النارية حيث التقيا وترافقا إلى مبنى الإذاعة.
كان في استقبال زياد الرّحباني النائب “هاكوب بقرادونيان” ومدير الإذاعة “أفيديس كيدانيان”، الذي أصبح لاحقًا وزيرًا للسياحة… دار حوار مطوّل في مكتب المدير بينهم، مما تسبب بتأخيرنا عن البث المباشر، وبدأت الاتصالات ترد إلى الإذاعة للتأكد من أن المقابلة مع زياد الرّحباني ما زالت في موعدها.
عقب تأخيرٍ استمرّ ربع ساعة، انطلقنا بحوار حضرت له جيدًا، لكن من المستحيل ضبط إيقاع الرّحباني… يأخذك حيث يريد، يسيطر على المكان والزمان، ومهما تحصّنت بالجدية، لا بد أن تقع في شركه فتضحك وتفقد السيطرة على الوضع… تجاوز الحوار الوقت المحدد، وعند انتهاء المقابلة، اتصل بي المدير “كيدانيان” وطلب مني أن أسلمه درع شكر باسم الإدارة، لأنه اضطر إلى المغادرة بسبب ارتباط مسبق… وهذا ما حصل.
خرجنا من الاستوديو، وقمنا مع الرّحباني بجولة للتعرف إلى مبنى الإذاعة… وبعدها أخذني زياد الرّحباني بجلسة دردشة تجاوزت الساعة، أخبرني خلالها حكايات عن جده لأمه، وعن والدته السيدة فيروز، وشرح لي تعلقه بسيارات “الفولكس فاغن”، وأخبرني عن رغبته في شراء “فان” من هذه الماركة لتحميل أجهزة الصوت عندما يكون لديه حفلات.
وفي هذه الفترة تعرفت إلى مجموعة من الشباب تطلق على نفسها شعار “الشعب يريد زياد الرحباني“، وكانوا يواكبون كل نشاطاته.
بقينا على تواصل مع زياد الرحباني عبر ظله أحمد، إذ لم تكن زيارة زياد الرحباني هذه الأولى أو الأخيرة لإذاعة صوت “فان”. مرة جديدة ربحنا الرحباني بتوقيت عيدية، كانت المناسبة ليلة عيد الميلاد لدى الأرمن الأرثوذكس في ٥ كانون الثاني سنة ٢٠١٥.
هذه المرة، أبدى زياد الرحباني إعجابه بأن يكون الحوار برفقة مهندسة صوت، زميلتنا السيدة ناتالي. وفي هذا اللقاء كان الاختلاف بين زياد الرحباني ووالدته السيدة فيروز على أشده… حاولت تخفيف امتعاض الرحباني، لكنني لم أنجح، وقال كلامًا غير ودود بحق والدته السيدة فيروز. وتحدث في هذا الحوار عن العمر بفلسفة واقعية منطقية، ومثل أغلب الحوارات مع زياد الرحباني، كانت المساحة الأكبر مخصّصة للسياسة.
وعلى إثر هذا اللقاء، اتفق مدير الإذاعة، “أفيديس كيدانيان”، وزياد الرحباني على أن تنظم إذاعة صوت “فان” حفلة موسيقية لزياد الرحباني في برج حمود، وبالتحديد على مسرح “هاكوب دير ملكونيان”. حينها لمسنا بالوقائع محبة الجمهور لقامة فنية من الطراز الرفيع… بمجرد طرح بطاقات الحفلة للبيع، لم تمضِ سوى ثلاثة أيام حتى كانت المقاعد محجوزة بالكامل. حتى أسرة الإذاعة والأصدقاء والمقربين لم نستطع تأمين بطاقات لهم.
حضّر زياد الرحباني برنامجًا فنيًا موسيقيًا رائعًا، وعزف إلى جانب فرقة موسيقية محترفة، ترافقها أصوات غنائية رائعة، بالإضافة إلى بعض النصوص التي قدّمها عدد من الشخصيات المحسوبة على مسرح زياد الرحباني. وبكل المقاييس، كانت الحفلة ناجحة، وبالأخص التقارب والعلاقة المتميزة التي تجمع جمهور زياد الرحباني… كأن الكل يعرف الكل.
لم ينقطع التواصل مع زياد الرحباني، سواء عبر الاتصالات المباشرة أو عبر أحمد. واللقاء الثالث والأخير كان في ٣ كانون الثاني ٢٠١٩.
كان الحوار مقررًا مباشرة على الهواء في الثاني من كانون الثاني ليكون زياد الرحباني أول ضيف للإذاعة في هذا العام الجديد، لكن زياد الرحباني لم يأتِ على الموعد.
في اتصالٍ مع أحمد أكد لي: “الأستاذ في الاستوديو وناطرك تسجلي معه الحوار”.
اعتذرت من المستمعين وتوجهت إلى الاستوديو، وليس لدي أي فكرة إذا كان التسجيل سيكون بواسطة أجهزة الاستوديو الخاص بزياد الرحباني، أو عبر الجهاز الذي أحمله. بعد انتظار تجاوز الساعتين، لم أستطع رؤية الرحباني… خرجت من الاستوديو محبطة، وعدت من دون أي فسحة أمل.
ومساء تلك الليلة، وردني اتصال من أحمد، قال لي: الأستاذ زياد سيزورك في الإذاعة غدًا عند الساعة ١١ قبل الظهر.
اتصلت بمدير الإذاعة في حينها، “فيكان أواقيان”، وطلبت حجز استوديو التسجيل. وصلت باكرًا إلى الإذاعة، والقلق رفيقي… هل ممكن أن يخذلني مرة أخرى؟ وكالعادة اتصل الرحباني بي قائلًا: «مضيع الطريق.» تدبّرنا الأمر، وأخيرًا وصل إلى مبنى الإذاعة.
من دون مقدمات، دخل زياد الرحباني حاملًا معه “ترويقة مناقيش مشكّلة بتطعمي قبيلة مع العصائر على أنواعها”.
استقبلنا المدير “فيكان” في مكتبه وتعارفا، ومن حديث إلى حديث سألني زياد الرحباني: “طالع ع بالك تمثلي”؟ تلعثمت ولم أعرف بماذا أجيب… ثم بدأ يتحدث عن منزله المستأجر في بكفيا، كم هو هادئ ومريح.
دخلنا إلى الاستوديو للتسجيل، وطلب الرحباني قبل إقفال الباب قهوة: بن خفيف وسكر زيادة… وانطلق الحوار. ومن دون أن أسأله، أخبرني أنه قادم من عند السيدة فيروز، وأنه يحضّر لها عدة أغنيات… وشعرت أن زياد الرحباني أراد أن يرد على نفسه من الحوار السابق، بالإعلان عبر صوت “فان” عن مصالحته مع والدته، السيدة فيروز.
وربما أحداث ٢٠١٩ وما بعدها من أحداث، أخّرت أو عطّلت تنفيذ أي عمل يجمع السيدة فيروز مع زياد الرحباني.
وبقيت أطمئن عليه من الأستاذ أحمد من فترة إلى أخرى، وقبل ثلاثة أشهر أرسلت لأحمد مقابلتي مع المايسترو أندريه الحاج، الذي جزم أن زياد الرحباني هو أهم موسيقي عربي في أيامنا… إلا أن أحمد لم يرد عليّ، ربما بوقتها كان وضع الأستاذ الصحي دقيقًا. يبقى أن نقول إننا خسرنا زياد الرحباني، تلك الظاهرة الفكرية والفنية والموسيقية والسياسية والوطنية.




