العدد الحادي عشر

بدائيّة روسو أم مدنيّة فولتير؟

في أوج ما يُعرف بعصر التنوير الفرنسي، أعلنت أكاديمية ديجون الفرنسية عام 1749م عن مسابقة لكتابة أفضل مقالة تُجيب عن السؤال الآتي: هل أعان إحياء العلوم والفنون والآداب على إفساد الأخلاق أم على تحسينها؟

وكان من بين الذين أثارت هذه المسابقة اهتمامهم شابٌ فرنسي طموح، في السابعة والثلاثين من عمره، يُدعى جان جاك روسو (1712–1778)، نشأ وترعرع في الريف، إلا أنه سبق له أن زار باريس قبل عدّة أعوام وأقام فيها فترة من الزمن، تنسّم خلالها نسائم عصر التنوير الفرنسي وتعرّف إلى أبرز رموز الفكر آنذاك، مثل برنارد فونتونيل (1657–1757) الذي كان قد بلغ عقده التاسع، ودينيس ديدرو (1713–1784) عرّاب مشروع الموسوعة الفرنسية الشهيرة، الذي لم يكن قد نشر بعد أيًا من مؤلفاته المعروفة.

كانت تلك الفترة الباريسية، قبل أن يُوفد للعمل سكرتيرًا للسفير الفرنسي في البندقية، كافية ليتعرّف روسو إلى أضواء المدينة وصخبها ومواطن الفساد فيها، ويُدرك مدى البَون الشاسع بين نمط الحياة الباريسي وما ألفَه في الريف من بساطة وصفاء. ويبدو أن هذه الصدمة الحضارية قد تركت أثرًا بالغًا في نفسه، حتى إنه رأى في مسابقة الأكاديمية فرصة مواتية للتعبير عن عدم إعجابه بطبيعة الحياة الباريسية، التي لم توافق مزاجه ولم يستطع الانسجام معها أبدًا، ورأى فيها أنموذجًا مثاليًا لمساوئ المدنية والتحضّر.

كتب روسو مقالته مجيبًا عن السؤال المطروح بحماسة منقطعة النظير. وقد فازت هذه المقالة بالجائزة الأولى، مُطلقةً شهرة روسو الأدبية، ومفتتحةً في الوقت ذاته الباب واسعًا أمام الجدل الفلسفي القديم المتجدد حول الدعوة إلى “العودة إلى الطبيعة” كحلّ جذري لمشكلات العصر وآفاته.

هذه الدعوة ذاتها، التي نجد أولى تجلياتها في أفكار الفيلسوف الصيني لاو تسي قبل أكثر من ألفي عام من زمن روسو، تجعلنا نتساءل: هل كان ما فعله روسو سوى إعادة طرحٍ لتلك الأفكار الصينية القديمة، لكن في قالبٍ عصري يناسب ذوق المجتمع الأوروبي في القرن الثامن عشر؟

كانت مقالة روسو بمجملها عبارةً عن هجوم ضارٍ على شتى مخرجات الحضارة من علومٍ وفنونٍ وآداب، وتمجيدًا صريحًا لطريقة الحياة البدائية الفطرية الأقرب إلى الحالة الطبيعية للإنسان، ودعوةً حارّة للعودة إلى كنف الطبيعة الأم، حيث يعرض روسو مساوئ تقدّم الحضارة فينسب إليها جلّ الشرور التي حاقت بالبشرية منذ فجر التاريخ إلى اليوم فيقول:

“إن تقدّم المعرفة جعل الحكومات أكثر سطوةً فاستبدّت بالشعوب، كما أن هذه المعرفة أفسدت الأخلاق، حيث يكاد فساد الفضائل والأخلاق الناتج عن تقدم المعرفة والفنّ والأدب أن يكون قانونًا من قوانين التاريخ… فعندما غدت مصر أمّ الفلسفة والفنون، سرعان ما غزاها الغزاة… أما اليونان، موطن الأبطال، فقد قهرت آسيا مرتين حين كانت آدابها في المهد، فلما بلغت تلك الحضارة أوجها، أطاح بها فيليب المقدوني بضربة واحدة، ثم قبلت الخضوع لنير روما باستكانة ومذلّة. وأما روما، فقد غزت عالم البحر المتوسط يوم كانت أمة من الفلاحين والجند، فلما أسلمت نفسها للترف، وأشادت ببذاءات أوفيد وكاللوس، باتت مرتعًا للرذيلة وهدفًا لسخرية الأمم”.

ولم يتورع روسو، الأديب المبتدئ آنذاك، عن التغريد خارج سرب المفكرين والكتّاب، فبالغ في تحامله على المعرفة والآداب إلى حد الإشادة بإحراق المكتبات، والدعوة إلى إغلاق الجامعات، بل وحتى الهجوم على اختراع الطباعة – ذلك الاختراع الذي أدى دورًا محوريًا في صنع شهرته وشهرة غيره من الأدباء؛ معتبرًا إياه:

“من أفدح الكوارث التي حاقت بالإنسانية”.

ثم يتابع مشيدًا ومستشهدًا بالعصور التي نبذتْ فيها الأممُ الكبرى العلومَ والآداب، قائلًا:

“ولنلاحظ ما أوتيَتْه الشعوب التي لم تعرف قط الفلسفة أو العلم أو الأدب من قوةٍ وتفوّق؛ الفُرس في عهد كورش، والألمان كما وصفهم تاسيتوس، أو حتى تلك الأمم السعيدة التي لم تعرف حتى أسماء تلك الرذائل التي يصعب القضاء عليها… إن الترف والإسراف والرق كانت، في جميع الأجيال، سوط عذابٍ سُلّط على جهود كبريائنا للخروج من حالة الجهالة السعيدة التي وضعتنا فيها حكمة العناية الإلهية… فليتعلّم البشر أن الطبيعة كانت تحميهم من العلم، تمامًا كما تخطف الأم سلاحًا خطرًا من يد ولدها”.

وقد أثارت مقالة روسو موجة جدلٍ عميق في أوساط المجتمع الثقافي الفرنسي والأوروبي عمومًا، فدافع البعض عن الحضارة بحماسٍ صادق، وأيّد بعضهم آراء روسو هذه التي ما انفكّت تجد في كل عصر مؤيدين لها، بينما دعا آخرون إلى التوازن بين هذا وذاك.

وعلى الرغم من أن روسو قد ردّ على نقّاده بقوة، وقارعهم الحجة بالحجة، إلا أنه كان، على ما يبدو، قد بدأ يكتشف بعض مواطن الضعف والخلل في نظريته، ويدرك أن مثاليتها المفرطة لا تتوافق مع طبيعة البشر وغرائزهم الفطرية التي وهبتها لهم الطبيعة ذاتها التي ما انفكّ يمجّدها. لذلك نراه يتراجع خطوة أولى إلى الوراء، فيخفف من غلواء تطرفه وعاطفته، وينحو نحو تقبّل بعض منجزات الحضارة على أنها ذات نفع للإنسانية. حيث يقول إنه، بعد المزيد من التأمل، توصّل إلى أنه لا ضرورة لإحراق المكتبات أو إغلاق الجامعات.

وسنراه لاحقًا في كتابه الاعترافات يقرّ، بشجاعة تُحسب له، بأن مقالته الأولى هذه “كانت مفتقرة كل الافتقار إلى المنطق والنظام، وإن زخرت بالقوة والجرأة، فهي أضعف ما كتبت إطلاقًا من حيث الحجة، وأخلاها من حيث الإيقاع والانسجام”.

ولكن ذلك لم يمنعه من تجديد حملته على الحضارة عام 1752م، من خلال مسرحيته نارسيس التي لقيت نجاحًا لافتًا أسهم في ذيوع شهرة روسو أكثر فأكثر في الأوساط الثقافية والفكرية الفرنسية والأوروبية. حيث يؤكّد، على لسان إحدى شخصيات المسرحية، موقفه السابق من الآداب فيقول: “إن الميل إلى الآداب يكون دائمًا إيذانًا ببداية الفساد في الشعب”.

ثم حدث عام 1753م أن أعلنت أكاديمية ديغون ذاتها عن مسابقة أخرى للجواب عن سؤال إشكالي آخر هو: “ما الأصل في عدم المساواة بين البشر، وهل يقرّه قانون الطبيعة؟”

ووجد روسو الفرصة سانحة لتجديد هجومه على الحضارة وتوسيع نطاقه، فكتب مقالة عاد من خلالها إلى العزف على نغمة العودة إلى الطبيعة وتمجيد البدائية، وقدّمها إلى الأكاديمية. وعلى الرغم من أن المقالة لم تفز بالجائزة، فإنها حين نُشرت عام 1755م أثارت الزوبعة مجددًا، وعاد اسم روسو يتردد في صالونات باريس.

وفي هذه المقالة، لم ينكر روسو عدم المساواة الطبيعي بالمطلق، بل أقرّ بأن هناك، على الدوام، أفرادًا هم، بحكم مولدهم، أصحّ وأقوى من غيرهم بدَنًا وعقلًا. إلا أنه زعم أن كل أشكال عدم المساواة الأخرى: الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والخلقية، هي غير طبيعية، وقد نشأت حين ترك البشر الحالة الطبيعية، وأقاموا الملكية الخاصة، وأسسوا دولًا تحمي الثروة والامتياز.

ولأسباب ليس من العسير تخمينها، ارتأى روسو أن يرسل نسخة من مقالته الثانية هذه إلى إمام عصر التنوير، فولتير (1694 – 1778م)، وكان فولتير قد نشر، مؤخرًا، وقبل ظهور مقالتي روسو بمدة ليست قصيرة، مقالة لافتة بعنوان الرجل الدنيوي، بدت كما لو أنها ردٌّ استباقي على الفكرة العامة التي طرحها روسو في مقالتيه. حيث عبّر فولتير في مقالته تلك عن ضيق ذرعه بالحالمين الذين يضفون المثالية على الحياة البدائية، ويحبذون الرجوع إلى الطبيعة هربًا من ضغوط الحياة المدنية الحديثة. فيقول:

“أنا من جانبي ممتنٌّ للطبيعة الحكيمة، لأنها، من أجل سعادتي، أنجبتني في هذا العصر الذي لا ينفكّ بعض ممن تعتريهم الكآبة والانقباض يحطّون من قدْره. إن هذا الزمن الدنِس ملائم كل الملاءمة لحياتي، فأنا أحبّ الترف والبذخ والحياة الناعمة، وكل أنواع الفنون والنظافة والزينة … إن جنّة الأرض هي هذه التي أعيش فيها أنا الآن.”

وما إن قرأ فولتير مقالة روسو حتى ردّ عليها بخطاب مطوّل، مازجًا فيه الجد بالهزل، كدأبه دومًا. ويمكننا تبَيُّن رأيٍ أكثر وضوحًا لفولتير، في هذا الشأن، من خلال هذه الفقرة اللافتة التي تضمنها خطابه إلى روسو، حيث يقول:

“تلقيتُ، يا سيدي، كتابك الجديد الذي يهاجم النوع الإنساني، وإني أشكرك عليه. وإنك لتُسرّ الناس الذين تخبرهم بحقائق تهمّهم، ولكنك لن تقوّم بذلك اعوجاجهم. إنك ترسم، بألوانٍ صادقةٍ جدًا، فظائع المجتمع الإنساني… وما من أحدٍ قطّ قد بذل مثل هذا الذكاء ليقنع الناس بأن يكونوا وحوشًا. والمرء، حين يقرأ كتابك، تتملكه الرغبة في أن يمشي على أربع، ولكن، بما أني قد فقدتُ تلك العادة منذ أكثر من ستين عامًا، فإني، لسوء الحظ، أشعر أنه يستحيل عليّ العودة إليها.

وإني متفق معك على أن الآداب والعلوم كانت أحيانًا علّة الكثير من الشرور، ولكني أرى أن لا شيشرون ولا فارو ولا لوكريشيوس ولا فرجيل ولا هوراس كان لهم يدٌ في تجاوزات ماريوس وصلا وأنطونيوس ولبيدوس وأوكتافيوس.

وعليك الإقرار بأن بترارك وبوكاتشيو لم يكونا السبب فيما عانته إيطاليا من متاعب. إن الذي جعل هذه الدنيا واديًا للدموع هو جشع الناس الذي لا يشبع، وغرورهم الذي لا يفتر. أما الأدب، فإنه يُغذّي الروح، ويقوّمها، ويعزّيها… إنه يخلق مجدك في الوقت ذاته الذي تهاجمه فيه…”

ويبدو أن حجج فولتير وسواه من النقّاد، إضافةً إلى تطوّر وعي روسو وتخمّر آرائه، قد جعلته يعيد النظر في بعض جوانب نظريته البدائية. فإذا به يفاجئ الجميع، في العام نفسه (1755م)، بنشر مقالة طويلة في المجلد الخامس من الموسوعة الشاملة التي كان قد أطلقها صديقه ديدرو، بعنوان: في الاقتصاد السياسي.

في هذه المقالة نرى روسو يتراجع خطوةً أخرى إلى الوراء، مخالفًا المزيد من آرائه الواردة في المقالتين السابقتين، إذ يتحدث باحترام وتقدير، بل وبإجلال أحيانًا، عن المجتمع والحكومة والقانون، باعتبارها نتائج طبيعية لفطرة الإنسان وحاجاته. ويصف الملكية الخاصة بأنها هبة اجتماعية وحقّ أساسي، فيقول:

“من المؤكد أن حقّ الملكية أقدس حقوق المواطنة، بل إنه، من بعض الوجوه، أهم من الحرية ذاتها، فالملكية هي الأساس الصحيح للمجتمع المدني!”

وبخلاف النزعة الفردية التي طغت على المقالتين السابقتين، نجد في المقالة الثالثة نزعة اجتماعية، حيث نرى الثائر الذي كان قد اعتبر الفضيلة تعبير الإنسان الحرّ الطبيعي عن إرادته، يعرّف الفضيلة الآن بأنها:

“مطابقة الإرادات الفردية للإرادة العامة.”

ونرى الرجل الذي كان ينظر إلى القانون على أنه إثم من آثام الحضارة، يصرّح الآن بأن القانون:

“هو الذي يُرسي المساواة الطبيعية بين البشر… إنه الصوت السماوي الذي يُملي على كل مواطن مبادئ العقل العام!”

لا شكّ أن آراء روسو كانت تتطور باستمرار خلال الفترة التي كتب فيها مقالاته الثلاث، وصولًا إلى نضج آرائه النهائية التي دوّنها بعد سبع سنواتٍ “سمان” في كتابه الأشهر العقد الاجتماعي، الذي تراجع فيه خطوات إضافية عن آرائه السابقة، حيث لا يجد الفيلسوف حرجًا من طرح فلسفة تقوم بكاملها على فكرة الإرادة العامة المقدّسة السامية، المعاكسة تمامًا لآرائه السابقة حول قداسة إرادة الفرد.

صحيحٌ أنه قد استهلّ كتابه بالعبارة الشهيرة:

“وُلد الإنسان حرًّا…”

لكننا نراه في العقد الاجتماعي يدافع عن قداسة القانون ويدعو إلى إكراه الفرد على الخضوع له، حيث لا يرى في هذا الإكراه انتهاكًا للحرية، بل صيانة لها، لأن المجتمع حين يُكره الفرد على طاعة القانون فإنما:

“يُكرهه على أن يكون حرًّا”، على حدّ تعبيره.

بل ويدعو أيضًا إلى عدم السماح للفرد بإنكار عقيدة الدولة الدينية، حيث نراه في هذا الصدد يتخلى عن كل تحفّظه فيما يخصّ المساس بالحريات، فيسير على خُطى أفلاطون، قائلًا جملةً متنافرة كل التنافر مع عبارته الشهيرة “وُلد الإنسان حرًّا”:

“إذا سلك إنسانٌ، بعد إقراره بهذه العقائد علنًا، مسلكَ من لا يؤمن بها، كان عقابه الموت.”

وهذا ما جعله عرضةً لوابلٍ من الاتهامات بالتناقض وازدواجية الرأي، بل والارتداد إلى أحضان النظم والأنساق التقليدية الحاكمة، وهي تهمٌ نفاها جملةً وتفصيلًا، وإن لم يبذل جهدًا كبيرًا في تفنيدها، مكتفيًا بالتوضيح قائلًا:

“أفكاري متسعة جدًا، ولكني لا أستطيع عرضها كلها دفعةً واحدة.”

ثم ليقرّ مجددًا، وبشجاعةٍ معهودة، بأن كتابه هذا:

“بحاجة إلى أن يُكتب من جديد، ولكني لا أملك من الصحة ولا الوقت ما يسمح لي بذلك.”

وبعدُ، هل كان تحامل روسو على المدنية والحضارة مجرّد انتصار لريفيّته الأقرب، برأيه، إلى الحالة البدائية، على مدنيةٍ لم توافق مزاجه السوداوي ونزوعه إلى الوحدة والانعزال؟

هل غاب عن ذهنه المتّقد، وهو ابن الريف الأصيل، ذاك البؤس الذي كان يغرق فيه الريف الفرنسي آنذاك؟

ألم يلاحظ أن شعراء المدن هم الأكثر تغنّيًا بالريف، حيث يصوّرونه دائمًا خضرةً وماءً وتغريد عصافير على دروب النبع، حيث الصبايا يردْنَه حاملاتٍ جرارهن، مستعرضاتٍ مفاتنهن وفتوتهن؟

ذلك أن هؤلاء الشعراء الرومانسيين لا يعرفون شيئًا عن تفاصيل المعاناة اليومية التي يكابدها ابن الريف في سبيل الحصول على قوت يومه.

هل خطر لروسو أن رؤيته الطوباوية هذه، إن تحققت، كانت ستجعل منه ضحيةً من ضحاياها، بالنظر إلى هشاشته الجسدية والنفسية التي كانت، على الدوام، بحاجة إلى نظام اجتماعي يتعهدها بالعناية والرعاية والحماية؟

فهل كان تحامله هذا مجرد ولعٍ بمخالفة الرأي السائد آنذاك؟ أم أنه كان جادًا فعلًا في طرحه، مقتنعًا بموضوعيته؟

ثم، هل كانت إشادة فولتير بالمدنية والحضارة إشادةً مطلقة غير مشروطة، صادرة عن قناعة تامة؟

أم أنها كانت مجرد رأي متناغم مع مشروعه التنويري الشامل الذي لا ينبغي لحامله المجازفة بتجزئة الفكرة العامة القائمة على الدعوة إلى التغيير الشامل، تلك الدعوة التي ترى في كل نظرة إلى الوراء ارتدادًا لا تُحمَد عقباه؟

ربما لا سبيل إلى الجزم بجوابٍ حاسم في هذا الصدد، لكن يمكننا أن نلاحظ بوضوح كيف أن روسو لم ينفك يراجع آراءه ويعدّلها ويشذّبها، وينحو بها بعيدًا عن الغلو والتطرّف الذي شاب بداية دعوته، حتى نراه يكاد يتكلّم، أحيانًا، بلسان شارل مونتسكيو (1689–1755م)، بل وحتى بلسان خصمه اللدود فولتير.

وبالمقابل، يمكننا أن نلاحظ أيضًا كيف أن فولتير اختار أن يعيش السنوات الأخيرة من حياته في “فرنيه”، تلك البلدة الريفية الوادعة على الحدود الفرنسية السويسرية، بعيدًا عن ضوضاء الحضارة وصخبها، فيزرع ويحصد ويتغنّى بهواء الريف النقي، بل ويفاخر أصدقاءه الباريسيين بمزروعاته وحيواناته الداجنة، فيبدو كما لو أنه يُطبّق وصايا روسو ولاو تسِه بحذافيرها.

كما يمكننا أن نستشف نتيجةً مفيدة أخرى من خلال قلمه، حين نراه يخلُص، في روايته الأشهر كانديد، إلى تلك الحكمة الشهيرة:

“علينا أن نزرع حديقتنا.”

ولم يقل، على سبيل المثال: “علينا أن نؤسس جامعة، أو نبني مصنعًا، أو ننتخب برلمانًا.”

مالك عجيب

كاتب سوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى