باسم خندقجي: حين تنبتُ للكلمات أجنحة
وراءَ القضبان الحديدية، حيث يصبح الزمن ثقيلاً كالسلاسل، يمسك قلماً ليصنع من الظلمة نورًا. هناك، في زنزانة لا تتسع إلا لأحلام مكبَّلة، ينسجُ عوالم تطير فوق أسوار السجون. مناضلٌ وأسير فلسطينيٌّ محكوم بالمُؤَبَّد ثلاث مرات(!) في معتقلات الاحتلال الإسرائيلي، لم تمنعه جدران “هداريم” الباردة من أن يلقي بكلماته كالطيور الحرة في فضاء الأدب العربيِّ.
إنَّه يحوّل الألم إلى حكاية، والوحشة إلى جمال، والصمت إلى صوت يهزّ الضمير. رواياته التي ولدت من رحم القيد، لم تكسر قيوده وحدَها، بل فتحت نافذة يطلّ منها العالم على صمود روح لا تقهرها ظلمات السجّان. فبينما يصارع الظلم في الزنزانة، تصارع كلماته النسيان في الوجدان، تاركةً سؤالاً يَطنُّ في الأذهان: كيف يصنع المناضل الصلب والموهوب من اليأس إبداعًا؟ وكيف يُمسي الأسير السجين، بقوة الحرف، سيد المعنى؟.
المخطوطة المهرّبة: البذرة الأولى
قبل ستة عشرَ عاماً، وصلتني أوراقٌ مشُوبةٌ بصدأ الزنزانة، حاملةً توقيع مناضل وشاعر أسير في معتقلات الاحتلال الإسرائيلي، مهربةً من سجن “هداريم” الإسرائيلي عبر شقيقه يوسف الذي نذر جزءاً غير يسير من عمره ليكون جسراً لأخيه المُكبَّل بثلاثة مؤبدات من محاكم الاحتلال الباطلة!
كانت تلك المخطوطة الشعرية أول لقاء لي مع باسم خندقجي المناضل الذي حول قضبان سجنه إلى أوتار عود، والأسير الذي صار قلمُه بندقية كلمات تواجه رصاص المحتل. قرأتها فانتفض قلبي: هذا ليس شعراً عادياً، إنه دمٌ يختلط بحبر الحرية.
يومها تشرّفت بأن كنتُ أول من قدَّم للعالم صوتاً أدبياً نادراً خلف الأسلاك، فأصدرت ديوانه الأول “طقوس المرة الأولى” (2009) بالتعاون بين الدار العربية للعلوم/ناشرون في بيروت ومنشورات الاختلاف في الجزائر، وكتبت له مقدمةً أشرت فيها إلى أن هؤلاء الأسرى ليسوا أرقاماً في سجلات الاحتلال… إنهم يافطات نور على طريق الحرية، وشعر باسم خندقجي شاهدٌ على أن القيد قيد الجسد فقط، أما الروح فتسمو فوق القيود، والفكر يحلّق عالياً في فضاءات لا حد لها.
لم تمضِ سنوات حتى جاءتني المخطوطة الثانية كطائر يحمل أغنية جديدة من وراء القضبان. فكان ديوانه “أنفاس قصيدة ليلية” (2013)، الذي كتبت له مقدمةً بعنوان “شجرته خضراء دوماً” أشرت فيها إلى اختلاف نصوص باسم الشعرية عن المألوف في أدب السجن السياسي؛ حيث إن قصائده لا تقع في فخ الخطاب المباشر، بل تنبض بإيقاعات الحياة رغم ظلمة الزنزانة. إنه يصرخ في وجه سجّانه: تستطيع حبس الجسد، لكنّ الروح أوسع من أقفالك!.
لاحظتُ حينها كيف طوّر باسم تجربته الشعرية بجرأة فنية، مستلهماً محمود درويش ولوركا، ومازجاً بين الألم الفلسطيني والأسئلة الوجودية للإنسان. ففي قصيدته “سطوة” رأيتُ بياناً أدبياً يختصر فلسفته “من نَصّي أَوقدُ ناري وأصلّي وأنبعثُ/ وأتقدم”.
من الشعر إلى الرواية… رحلة التحدي
ظلَّ باسم المحكوم وهو في مقتبل العمر وريعان الشباب بثلاثة مؤبدات، يدفع بكتاباته من خلف القضبان، فتأتينا كرسائل في زجاجات أمل، ومن الشعر إلى الرواية بدأ المناضل الأسير رحلة جديدة تُوجِت بجائزة عالمية:
:2014-أصدر روايته الأولى “مسك الكفاية: سيرة سيدة الظلال الحرة”.
:2017-صدرت “نرجس العزلة” عن المكتبة الشعبية في نابلس.
:2018- أطلقت دار الآداب “خسوف بدر الدين” التي حفرت في التاريخ الصوفي لفلسطين. وقعتها أنا والصديق طلال شتوي نيابة عن باسم في معرض بيروت للكتاب.
:2023- جاءت “قناع بلون السماء” التي كتبها خلال 6 أشهر، وهرّبتها عائلته “قطعةً قطعةً” عبر رسائل السجناء، لتُطبَع في بيروت… وهناك، في معرض الكتاب الدولي، وقفتُ أمسك قلماً نيابةً عنه وأوقّع الرواية لقرّاءٍ تأثروا بقصة الأسير الذي يهزم سجّانه بالكلمة الحرة، في لحظات حملت مزيجاً من الفرح بوصول الرواية إلى القراء، والحزن لأن باسم ليس هو الذي يوقّعها، على الرغم من فخري واعتزازي بهذا التكليف/التشريف.
كل روايات باسم خندقجي تكشف عن موهبة استثنائية لأسير كسر جدران الزنزانة بقلمه الحرّ وكلمته المضيئة، لكن الرواية الفائزة تميزت بكونها عملاً جراحياً يشرّح الكفاح الفلسطيني ضد المحتل الإسرائيلي عبر رمزية مدهشة:
– القناع كاستعارة وجودية: بطل الرواية “نور” (عالم آثار فلسطيني) يجد هوية إسرائيلية زرقاء في جيب معطفٍ قديم، فيتحول إلى “أور” (الترجمة العبرية لنور) لينفذ إلى معهد “أولبرايت” الأثري الإسرائيلي .
– حفر في الذاكرة المطموسة: خلال تنقيبه في “كيبوتس مشعار هعيمق” المُقام على أنقاض قرية أبو شوشة الفلسطينية (هُجرت عام 1948)، يكشف “أور” زيف الرواية الصهيونية، ويرسخ انتماءه إلى الأرض المغتصبة.
– التجريب السردي: مزجت الرواية بين الواقعي والأسطوري عبر تقنيات مثل تعدد الأصوات والزمن المتداخل، مما دفع رئيس لجنة تحكيم البوكر حينها الروائي السوري نبيل سليمان إلى وصفها بأنها “رواية تغامر في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم…”
عندما يخاف المحتل من حبر أسيره
لم يرق للاحتلال الذي لا يسطو على الجغرافية الفلسطينية فحسب، بل يسعى لاحتلال التاريخ عبر تزوير الذاكرة وتزييف الوعي، أن يتحول أسيره إلى نموذج لنجاح أدبي عالمي، فشنت آلته الإعلامية حملةً ضده، ووصفته صحيفة “هآرتس” بـ”الإرهابي” متسائلةً “كيف يكتب وهو في السجن؟!”، بينما سخر مستوطنون: “أسرانا في غزة مفقودون وهذا ينتج أدباً!”.
بفعل تلك الهجمة الإعلامية الصهيونية خشي شقيقه يوسف – الذي يدير أعماله الأدبية – من أن يؤدي التحريض إلى مزيد من التعذيب لباسم أو عزله، أو مصادرة القيمة المالية للجائزة.
وهنا لا بد من التأكيد أن الحملة الصهيونية ضد باسم ما هي إلا جزء من حرب منهجية ضد الإبداع الفلسطيني، تمتد من اغتيال غسان كنفاني في مطلع السبعينيات وناجي العلي في الثمانينيات من القرن الماضي وصولاً إلى منع دخول الكتب العربية منذ الاحتلال، إلى محاكمة الفلسطينيين بحوزة كتب مثل “بلادنا فلسطين” عام 1981، إلى سرقة الذاكرة الفلسطينية عبر السطو على التراث والفلكلور الفلسطينيين.
في حفل أبوظبي (28 أبريل 2024)، تجسد غياب باسم خندقجي المؤلم عبر رمزين: دموع يوسف الذي أجهش بالبكاء، وهو يقبل الجائزة نيابةً عنه، قائلاً: “هذا نصر جديد للشعب الفلسطيني… أهديه لأهل غزة”، و”صمت القضبان” بينما كان العالم يحتفل، كان خندقجي يسمع الخبر عبر راديو سجن “عوفر”، مواصلاً كتابة الجزء الثالث من ثلاثيته “شياطين مريم الجليلية”.
الكلمة الحرة تحلّق بجناحين
حين وصلت الرواية إلى القائمة القصيرة للبوكر، لم أشكّ لحظةً في فوزها. كنتُ أعرف أن “قناع بلون السماء” بحرفيتها في تشريح الرواية الصهيونية عبر شخصية “نور” الفلسطيني الذي يخترق المعهد الإسرائيلي بأسماء عبرية تستحق أكثر من جائزة.
فوز باسم خندقجي ليس مجرد إنجاز شخصي؛ إنه تتويجٌ لمقاومة ثقافية عمرها عقود يخوضها الأسرى الفلسطينيون. لقد أثبت أن الزنزانة قد تصنع روائياً عربياً عالمياً، وأن المحتل قد يسلب الجسد، لكنه لا يقوى على قتل الأفكار. حين أمسكتُ بقلمه في بيروت لتوقيع “قناع بلون السماء”، شعرتُ أن يديه المكبَّلتين بالسلاسل تدفعان كلماته إلى العالم.
اليوم، بينما تواصل إسرائيل حرب الإبادة الجماعية على غزة، وتواصل المقاومة تصديها الأسطوري لجحافل الاحتلال يذكّرنا هذا الفوز بأن الحرب على الرواية الفلسطينية نهج ثابت للاحتلال، لكن الإبداع الفلسطيني سيظل يُنبت جذوراً في سماء الحرية.
سيبقى باسم خندقجي شاعراً يزرع ورداً في عتمة الزنازين، ويفوح عطراً في وحشة المعتقل، وتبقى رسالته من وراء القضبان تعلّمنا أن الأدب هو أصدق شاهد على الظلم، وأقوى سلاح ضده.
الاحتفاء بكلمات باسم ليس مجرد احتفاء بأدب باسم خندقجي، بل هو صافرة إنذار لواقع 9,000 أسير فلسطيني – بينهم مبدعون – يعتقلهم الاحتلال الإسرائيلي ظلماً وجوراً، ويعذبهم بشكل يومي. وتذكيرٌ للعالم أن سجون إسرائيل تحبس شعراء وروائيين وحرفيين لا “إرهابيين” كما تزعم وتدّعي، وهو أيضاً دعوةٌ إلى نشر أعمال الأسرى كفعل مقاومة، خاصة بعد مصادقة دولة الاحتلال العام ٢٠٢٣ على قانون “مصادرة أموال السجناء”، كفعل آخر شنيع من أفعال الاحتلال الذي لا يوفر طريقة لكسر إرادة الأسرى، لكن هيهات له ذلك.
لكل مَن يقرأ هذه الكلمات: كلما مررتَ بجناح دار النشر في معرض كتاب، أو شاهدت غلاف “قناع بلون السماء”، تذكّر أن هذه الرواية كُتبت على أوراق سجائر، وهُرّبت في جيوب الزائرين، وتذكّر أن باسم وأقرانه يحتاجون صوتك الآن أكثر من أي وقت مضى. فكما ساعدت كلمته على اختراق الزنزانة، يجب أن تساعد كلمتك على هدم جدران الصمت واللامبالاة.
——————————-
إصدارات باسم خندقجي
| العام | العمل | الناشر | ملاحظات |
|——-|——-|———|———|
| 2009 | ديوان “طقوس المرة الأولى” | الدار العربية للعلوم/ناشرون (بيروت) | تقديم زاهي وهبي |
| 2013 | ديوان “أنفاس قصيدة ليلية” | الدار العربية للعلوم/ناشرون (بيروت) | تقديم زاهي وهبي |
| 2014 | رواية “مسك الكفاية” | الدار العربية للعلوم/ناشرون | |
| 2017 | رواية “نرجس العزلة” | المكتبة الشعبية (نابلس) | |
| 2018 | رواية “خسوف بدر الدين” | دار الآداب (بيروت) | | وقّعها في بيروت نيابةً عنه زاهي وهبي وطلال شتوي.
| 2023| رواية “قناع بلون السماء” | دار الآداب (بيروت) | الفائزة بالبوكر 2024 | وقعها في بيروت نيابة عنه زاهي وهبي
| 2024 | “سادن المحرقة” | دار الآداب (بيروت) |





