العدد العاشر

دراسة نقدية عن ديوان “رذاذ صيفي للإعلامي والشاعر الأستاذ أنطوان قزّي”.

سألني أيضًا يومَها عن نشاطاتي، وعن “البيت الثقافي العربي” الذي أمثّله، وعن أهدافهِ الثقافية والفنية، وعن نشاطاته، وعن دور المرأة العربية في المجتمع، وهل تقومُ بدورها الثقافيّ على أكملِ وجهٍ في الواقع؟

وتطرّقنا إلى العديد من المواضيعِ المهمّةِ المتعلقةِ بحقوقِ الإنسانِ والحرياتِ العامة.

المهم، ما سأكتبهُ اليوم هو لوحةٍ فنية لما قرأتُهُ في مجموعتهِ الشعرية “رذاذ صيفي”. ليست قراءةً نقدية، فأنا لستُ ناقدة، بل أنا ابنةُ الكلمةِ الساحرةِ التي تأخذُني معَها بعيدًا. فالكتابةُ الأدبية سموٌّ وارتقاء، وحديثُ الروحِ إلى الروح، واستحضارُ الماضي بلسانِ الحاضر.

“رذاذ صيفي”

بدايةً، كان التقديمُ لزوجتهِ ولبناتهِ، فهم “الرذاذُ الذي أطفأَ جمرَ هجْراتِه”، كما قال، والوفاءُ الجميلُ لمن يُحِب. بعد ذلك، تنطلقُ رحلةُ الإبحارِ بين نصوصه.

قال:

“تعقدُ جدائلَ الآسِ بغيرِ لمْس،

‏‎تُسامرُ الجفونَ بنهدةٍ ناعسة.

‏‎وتأسَرُ الغيمَ بيتًا للنوارس،

‏‎تسرِقُ الهمسَ من بُحّةِ الريح،

‏‎وتولِمُ للعنادلِ وجناتِ السَحَر.

‏‎تعصِرُ الحياءَ بغيرِ شفاه،

‏‎وتروي ثقوبَ الشمسِ جراحًا لاهثة”.

في قصائدهِ لغةٌ جميلةٌ مبهرة، بل صباحٌ يتنفّس، ولقاءٌ قريب، وعهدٌ يرسُمُ وجوهًا ما غابتْ، ولا أصواتُها خفتت.

وهذا ما ذكره في هذا المقطعِ الجميل:

“أنا المأسور، في أمسِ الفراشاتِ أسبُرُ الآهَ، أضمُّ الحياء.

فبيني وبينَ الجُرحِ عِشْقٌ مُريب”.

هنا، تحمِلُنا فراشاتُ الحلمِ معَه في رحلةٍ مقدّسة، يدعونا لنفتّشَ معه عن الحقيقةِ، والفرحِ، والأمانِ الذي يتمنّاهُ لوطنِهِ العربيِّ الكبير، من المحيطِ إلى الخليج، على الرغم من أن صوت الألمِ هو الذي يرتَفِعُ بين سطورِ ديوانِهِ الشعري.

تُنسيك الموسيقى الكلاسيكية الراقية، المرافقة للنصوص، الألمَ؛ تأخذك مجددًا، مع النص الذي تقرأه، إلى أماكن مختلفة بعيدة، ربما إلى مكانِ كتابةِ القصيدة. شعورٌ جميلٌ حالم، يعيدك إلى الواقع حين تنتهي من القراءة.

الحزنُ خميرةُ الإلهام، كما الحب، وكثيرٌ من المشاعر الإنسانية الفيّاضة. ولكن إذا أردت يومًا أن تقرأ خريطة تفكير مهاجر، أو تعرف كيف يفكّر، فلا تتوانَ عن الولوج إلى صفحات المجموعة الشعرية للإعلامي والشاعر الأستاذ المخضرم أنطوان قزي في “رذاذ صيفي”.

قالَ في قصيدةِ الهروب:

“‏‎وجوهٌ تدوسُ المرايا

تلملِمُ الأصابعَ

من شَبَقٍ مسافر،

تُغافلُ خسوفَ الحياء

وترقُصُ مع المناراتِ

على شاطئِ الخطيئة”.

الشاعرُ بلا كتابة يشعرُ بالغربة، كأنّهُ مغيّبٌ عن الجمالِ والفنِّ والرسمِ والنحتِ والموسيقى. ولأنَّ الشِعرَ نبضُ الحياةِ وأنفاسُ الحضارات، فإن الحضاراتُ بلا شُعراءَ وفنانين لا قيمةَ لها.

والكتابةُ هي البصماتُ الإنسانيةُ الخالدةُ التي يتركُها البشرُ قبل أن يرحلوا، لتظلَّ أبدَ الدهر.

قال في قصيدتِهِ “بكاء بلا تاريخ”:

“كأنّني سرابٌ أغبرُ يشقُّ بيداءَ الغروبِ، يعشَقُ طقوسَ الغجَر، يفترشُ الظنونَ بساطًا للمفاتن. كأنّني ريقُ العِطاشِ وحولي الأباريقُ تتكسّرُ، ترصُدُ سحابةً هاربةً حُبلى بأعناقِ الجِرار. كأنّني نجمةٌ عاريةٌ تبلسَمُ عطَشَ الموجِ لقبلةٍ دافئةٍ في مضجَعِ الرمال”.

الله ما أجملَ هذا النصَّ البديع، وكيفَ جمعَ كلَّ هذا الجمالِ في مكانٍ واحد! وما أروعَ هذا الأسلوبَ الخيالي، وكيف يحول بُوصلةِ الكلام بينَ الأمواج والرمال والسماء، وبينَ النجومِ تارةً أخرى، وكيفَ يحمِلُنا معهُ على بساطِ الذكريات. بالشِعْر، ننفضُ غبارَ الصمت، ونفتِّشُ عن وجهٍ مبتسِمٍ نرتديه.

في عمق هذه القصائد، ثمة نغمةٌ خفيةٌ تتسلل إلى الروح، حيث تلامسٌ جراحات الزمان والمكان، وتغوصُ في عمق الوجود. تتحدثُ إلينا القصائد بلغةٍ موازية للحياة، تكشفُ عن صراعٍ داخليّ بين الخوف والأمل، وبين الحلم الواقع في فخِّ الصمت والتأمل.

يُحاكي أنطوان قزي في قصائده مشاعر الاغتراب بأسلوبٍ يجمع بين الحزن والانتظار، وبين الفقد الذي يعقبه حلمٌ جديد. يطرحُ في كلِّ حرفٍ من حروفه أسئلةً كونيةً، تتجاوز حدود الزمن، وتلتقط لحظاتٍ صغيرةً ربما لم يلاحظها أحدٌ سوى الشاعر ذاته.

هو لا يكتبُ عن الألم فحسب، بل عن مسعىً دائم للبحث عن المعنى في عالمٍ يعصفُ به الفقد والمجهول. وبين سطورِه، نجد أنفسنا أمام مرآةٍ تعكس أكثر من مجرد واقعٍ مادي، بل واقعًا نفسيًّا يتغلغل في أعماقنا، ليتركَ أثرًا لا يمحى، ويجعلنا نقف أمام أنفسنا في صمتٍ وتأمل.

أكملتُ صفحاتِ مجموعتِهِ الشعريةِ بكلِّ شوق، فأنا، عندما أقرأُ كما أكتب، أعرِفُ أنّني بخير. وعندما أتوقَّفُ عن القراءةِ والكتابة، وأبعثِرُ الأوراقَ بيضاء، أعرِفُ أنّ ثمّةَ أمرًا جلَلًا. أعير رأسي للسُحُب، قد تُمطِرُ وقد… لا.

مباركٌ للشاعرِ الإعلاميّ المخضرمِ أنطوان قزي إصدارِهِ الجديدِ الجميل، وأعتذِرُ عن تصفّحي البسيطِ ومرورِي المتواضعِ على قصائِدِك، فهذه العجلةُ لا تكفي؛ فالكتابُ يستحقُّ الدراسةَ والغوصَ في أعماقِهِ، وسبْرَ أغوارِهِ لاقتناصِ الدُررِ من سطورِهِ وبحورِه.

ومباركٌ للمكتبةِ العربيةِ بهذهِ الولادةِ الجديدةِ وهذا المولودِ البار.

سوزان عون

أديبة وشاعرة - أستراليا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى