رهان أدونيس: الإبوخي الشعري.
يبدو مشروع أدونيس، من حيث الاختيارات والفلسفة المتبناة في سلسلة “إشراقات”، مشروعًا إباديًّا لكل أشكال الشعر القديمة، إبادة مرفقة بإعلان ميلاد جديد على أنقاض هذا التدمير وفي قطيعة معه. فهو من جهة، من خلال تركيزه على المرأة الشاعرة عربيًا، يقطع أدونيس بمشرط فلسفته خيوط السلطة الكابحة لكلِّ خلقٍ يصدر عنها، ومن جهة أخرى، يوقف أحكام المشترك الجمعي والتصورات القبلية عن عالم الأشياء والكلمات، سواء أكانت ثقافية أم دينية… إلخ. في فلسفة هي أقرب ما تكون إلى “الإبوخية” كما يحددها إدموند هوسرل، وهي فلسفة من شأنها أن تحافظ على نقاء الكينونة وصفاء الذات الفردية في سياق عربي فقد فيه الفرد قيمته لصالح مشترك تاريخي وسياسي… إلخ.
إلى أي مدى ينحت أدونيس من داخل مشروع “إشراقات” مفاهيم تيار شعري كياني؟ وإلى أي حد يساهم في إيقاظ الفرادة الشعرية العربية من سباتها الجمعي؟
إن العالم الشعري ليس جزرًا معزولة عن بعضها البعض، ولا هو لحظة تاريخية توقّف اكتمالها، بل هو صيرورة معقدة تعكس متغيرات راهنها فلسفة وفنًّا وإيقاعًا. لا يمكننا، من داخل العالم العربي، النظر إلى الشعر العربي على أنه معتقل في ذهنية الخلافة الأموية والعباسية، إلا من خلال النظرة ذاتها التي تنتقد الكهنوت الديني، على اعتبار التشابه بينهما في الأرضية التي يقفان عليها وآلية عملهما. هذه الأرضية تقوم على تقديس لغة المشترك، باستخدام آلية تعمد إلى تغييب الفرد في غياهب انتماء تاريخي، مما جعله كائنًا يُحدد فقط من خلال دلالة المشترك والتاريخ والدين.
يؤكد أدونيس أن الفرد، بوصفه كينونةً، يشبه الشجرة التي بوسعها أن تبدع أغصان الشعر في تشابكها مع سماء راهنها. أو هذا هو فهمي لأطروحته القائلة “إن الشاعر هو القادر على تذويب المشترك فيه، لا العكس”. في هذا التقرير، يتراءى لنا أدونيس بعباءة تنفض عن نفسها غبار الثقافة، وتنحو منحى العود إلى الذات بوصفها المعادلة الصعبة في عجاج الوجود.
من الواضح أن “العودة إلى الأشياء ذاتها” (مارتن هايدغر، الكينونة والزمان)، الذي كان شعارًا بارزًا في الفينومينولوجيا بوصفه شعارًا يرأب الصدع بين الاتجاه المثالي والواقعي في تاريخ الفلسفة، هو ذاته الشعار الذي يتبناه أدونيس في مشروعه “إشراقات”. لكن تأويله الأدونيسي يصعب الكشف عن ملامحه حاليًا. فلا يظهر منه إلا محاولة زرع بذور الفرادة في أرض لا تسمح بالنمو إلا للمشترك الجمعي، الذي يُعتبر خادمًا طيعًّا في يد رجال السياسة والدين.
يفتح أدونيس بوّابة أخرى لثورة تتحرك أعلامها بنعومة بالغة داخل اللغة الشعرية. ولا أظن أن هذا الأمر يخرج عن مساحة قوله: “الثورة الحقيقية تكون داخل اللغة لا خارجها”. وإذا أردنا تأويل هذا المعنى، فلا يمكننا إلا أن نستحضره في سياق راهننا العربي بسياسته وثقافته ومتغيراته الاجتماعية.





