الشعر العربي أقدم أشعار الإنسانية… وربما لا شعر غيره.
هل يمكن الظن أن الشعر العربي هو أقدم شعر عرفه التاريخ الإنساني؟ وهل يمكن الذهاب أبعد من هذا حتى تقرير أنه وحده “شعر” من بين إنتاج الإنسانية الأدبي؟
الإجابة لن تكون حاسمة ونهائية لا بالإيجاب ولا بالسلب، إنما هي محاولة لإضفاء الشرعية على هذه التساؤلات من خلال ملاحظات قد لا تحتمل التأويل، في لغة بسيطة شديدة الوضوح، ومن دون أي تعقيد أو غموض.
أولًا: لم يتمكن المؤرخون والآثاريون من كشف بدايات الشعر العربي الذي وسمه المؤرخون المسلمون بالجاهلي (نسبة إلى الجهل الديني وليس الجهل الحضاري) الذي وجدوه في قمة بنيانه الفني، وأعتبر المعيار اللغوي والشعري لكل ما جاء بعده. وإذا تجاوزنا ما قاله طه حسين ومن قبله اليهودي المتعصب ديفيد صمويل مرغليوث David Smuel Mrgoliouth يمكننا القول إن الشعر العربي الذي وجدناه، في أثناء وبعد الدعوة الإسلامية، اكتسب قواعد شديدة التعقيد من العروض وأوزانها وتفاصيلها، إلى أغراض الشعر من الغزل والرثاء إلى الفخر والهجاء وما بينهما، مما يوحي وربما يؤكد أنه نتاج حضاري متقدم بصورة مدهشة، عمَّا علمناه حول “العصر الجاهلي” الذي نُسب إليه. وهنا لا بد من المسارعة إلى القول إن البلاغة في سيميائية العلامات في التشبيه والاستعارة عامة، وعلى وجه الخصوص الحرف المشبه بالفعل (كأن)، وبنيوية العروض وعلاقاتها الخوارزماتية، ثم القيم وكامل(الجبلة)الإنسانية في الأغراض، لا توجد في أي من الشعر العالمي القديم أو المعاصر، وإن وجدت فلا تشكل علمًا قائمًا بحد ذاته كما هي الحال بالعربية.
ثانيًا: بالمقارنة مع المعلقات والقصائد والشعراء، والأغراض والعروض والبلاغة في اللغة العربية، لا تزيد أصول معظم الأشعار في الحضارات القديمة والحديثة عن تراكم تاريخي عبر العصور، بحيث لا يوجد شاعر واحد، إنما تراث شعبي ضارب في التاريخ.
في الشعر الإغريقي يجمع المؤرخون التقليديون، في الغرب، على أن جذوره تبدأ مع ملحمتي الإلياذة والأوذيسة، وصاحبهما “هوميروس” الشاعر الأول والأهم في التاريخ الغربي، بحيث يؤكد “أرسطو” أن “هوميروس”: “علَّم الشعراء من بعده فن الكذب بمهارة”. لكن المؤرخين المحدثين يرون أن “هوميروس” الأعمى شخصية خيالية، كما أن الملاحم المأثورة عنه تمثل تراكمًا لقرون عديدة من الحكي الشفهي أو الغناء الشعبي الذي عُرِف عبر التاريخ بأوزان أحادية بسيطة، وبميول موسيقية وبتسهيلات الحفظ أمام الرواة الشعبيين الذين كانوا يجوبون البلاد، ويلقون أشعارهم أو أناشيدهم على مسمع الجموع المأخوذة بحكايا بطولة الآلهة وأشباهها. هكذا جاءت الإلياذة بأربعة وعشرين نشيدًا على وزن واحد هو السداسي المؤلف من ست تفعيلات بسيطة وسهلة ورحبة بحيث تتسع للأحداث العظيمة.
كذلك في الشعر الصيني والهندي يغيب الشاعر ويحضر التراكم التاريخي بجرأة، فيما تحضر الموسيقى أو الأوزان بخجل، ويحضر الرواة والمنشدون على امـتداد التاريخ. يعتبر معظم النقاد الصينيين أن الكتاب التاريخي الذي طُبع بعنوان “الأغاني” هو من أقدم المراجع التي وثقت الأغاني والأناشيد الشعبية حول الحروب والحب وحتى الزراعة والبستنة والمناخ، ويمتد تاريخ هذه الأغاني في مسار أكثر من أحد عشر قرنًا قبل الميلاد.
ويقول المؤرخون الصينيون المحدثون إن “كونفوشيوس” فيلسوف الصين العظيم (أو نبي الصين كما يحلو للبعض القول) قد اختصر الأغاني إلى ثلاثمئة أغنية من أصل ثلاثة آلاف. وقد أدى هذا الكتاب دورًا تجاوز الدور الأدبي بكثير، وترك أثرًا لا يمحى في الحضارة الصينية.
وتاليًا، يمكن القول إن تلك الأغاني هي تراكم تاريخي جمعه الفيلسوف الذي عرف باسم “كونفوشيوس” جراء “تخبيص” الغرب وعبثه الغبي بثقافات الشعوب، ونسي الجميع اسمه الحقيقي “كونغ فوتسو”(551…479 ق م) الذي يعني (الملك الفيلسوف). أغانٍ شعبية على إيقاع موسيقى شعبية شديدة التأثير، بحيث تحفَّظ الصينيون على ترجمة أشعارهم هذه أو أغانيهم، لأنها بنظرهم تقوم على ساقين الموسيقى والمعنى – مثل أي أغنية – وتاليًا، إذا حرمتها الترجمة من ساق الموسيقى تصبح عرجاء.
والتراكم التاريخي، مؤلف أشعار اليونان القديم والصين، هو أيضًا مؤلف ملحمتي الهند الرئيستين، “المهابهاراتا والرمايانا”، اللتين كتبتا باللغة السنسكريتية واكتملتا في القرن الخامس قبل الميلاد، ترويان أعمال الآلهة والحروب والأديان، وكل ما يتعلق بالبناء التاريخي الديني والاجتماعي والثقافي في بلاد الهند الواسعة الأرجاء. وقد اعتمدت هذه الأشعار التاريخية الموسيقى المقطعية أو الشكل المقطعي La forme metrique وهو الشكل الذي ينتظم في عدد محدد من المقاطع في كلمات السطر الواحد أو البيت الواحد، على ما درج العرب ترجمته استنادًا إلى البيت الشعري العربي.
وحين يصل الأمر إلى أصول الشعر الفارسي يزداد تعقيدًا وغموضًا، بحيث يقول بعض المؤرخين: “لا نعرف شيئًا عن الشعر الفارسي قبل الإسلام، حتى ليُظَن أن الفرس لم يكن لهم منهُ حظ كبير”. ولعل هذا الانطباع نتج عن انقراض لغات إيران القديمة، وجدة نشوء الفارسية الحديثة التي يعيدها المؤرخون الفرس إلى القرن الرابع الهجري. وينسب أولئك المؤرخون أول شعر فارسي إلى “بهرام جور” الذي أخذ الشعر عن العرب حين كان يعيش في الحيرة. ويضيف آخرون إن علماء عصر “بهرام” استهجنوا قول الشعر، وإن الحكيم “أذرباد بن زرادستان” “بالغ في نصحه ليترك الشعر تنزهًا عن معايبه”. ويقال إن “بهران” “انتصح ومنع أولاده وذوي قرباه أن يقرضوا الشعر”. بل أكثر من ذلك فقد كانت “المدائح والأغاني عند “كسرى برويز” نثرًا لا نظم فيها.
أما “ابن قتيبة” فيقول بمنتهى الجرأة والثقة «وللعرب شعر لا يشركها أحد من الأمم الأعاجم فيهِ على الأوزان والأعاريض والقوافي والتشبيه، ووصف الديار والآثار والجبال والرمال والفلوات، وسري الليل والنجوم، وإنما كانت أشعار العجم وأغانيهم في مطلق من الكلام «منثور»، ثم سمع بعض قوم منهم أشعار العرب وفهموا الوزن والعروض، فتكلفوا مثل ذلك في الفارسية وشبهوه بالعربية».
وفي مطلق الأحوال لا يعرف للفرس شعر قبل “الشاهنامة” التي نظمت في أوائل الألفية الثانية، أي في القرن الرابع الهجري، بعدما انتشرت اللغة العربية في الأوساط الفكرية والثقافية الفارسية، وأخذ الشعراء الفرس عروض الشعر العربي، وعدلوا فيها وأضافوا إليها ما يناسب لغتهم الوليدة بعد تقلبات تاريخية عميقة، بحيث يمكن القول حاليًا إن في إيران نحو خمس وسبعين لغة حية، وعشرات أخرى بائدة.
وما إن نصل إلى أشعار بلدان شمال وغرب المتوسط، الأقرب إلينا والأعمق تأثيرًا في ثقافتنا، حتى تتكشف الفوارق الهائلة بين تواريخ نشأة الشعر العربي الموغلة في القدم، وبين نشأة الأشعار الأوروبية والأميركية عامة التي لا تبتعد في التاريخ أكثر من عدة قرون. هذا فضلًا عن الفوارق الهائلة في الإيقاع والموسيقى بين الشعر العربي وعروضه وبلاغته وبين الإيقاع في الشكل المقطعي La forme metrique في الشعر الغربي، بحيث لا يتعدى الأمر تقسيم الكلمات، ثم السطر إلى عدد محدد من المقاطع Syllabes، لتشكيل إيقاع رتيب وفق عدد المقاطع. ويمكن القول، ليس مع كثير من التساهل، إن الوزن المقطعي يعود إلى مرحلة المتشابهات Analogue بينما يرقى الإيقاع العروضي العربي إلى الرقمي: حركة سكون أو0/، وهي أقرب إلى التأليف الموسيقي الذي يتشكل من تكرار حالتي “صوت وسكوت”.
ماهية الشعر؟
بالعودة إلى جذور الشعر العالمي ونشأته الملحمية قد نصل إلى استنتاج مدهش بحيث لا نجد شعرًا سوى الشعر العربي، والملاحم من “الإلياذة” إلى “المهابهاراتا”، مرورًا بـ “الأغاني” الصينية التي هي نصوص تاريخية ألفها التراكم الشعبي وفق إيقاع بسيط وسطحي، لمساعدة الرواة والمنشدين على الحفظ وتنشيط الذاكرة، ومقارنة بحور الشعر العربي الستة عشر وتنويعاتها الهائلة، وأغراضها التي تتجاوز التأريخ إلى مختلف أنواع العاطفة الإنسانية ومناحيها، من الغزل أو الحب (بموضوعيه الرئيسيين: المرأة والطبيعة) حيث تقتصر عليهما معظم أشعار العالم، إلى عواطف ومشاعر الرثاء والفخر والهجاء والوصف والحماسة والحكمة وغيرها، بصورة لم تترك أي طبيعة من طبائع المشاعر الإنسانية إلا وجاءت غرضًا من أغراض الشعر، حيث لا يكرَّس الشاعر شاعرًا إلا إذا كتب وأجاد فيها جميعها.
وإذا كانت كلمتا “شعر وشاعر” تجدان جذورهما العربية في الفعل الثلاثي “شَعَرَ” واشتقاقاته الموازية لجذر “عطف” المتعلق بمختلف معاني العاطفة والعطف، فإننا مضطرون إلى التحفظ الشديد على ترجمة Poesie إلى شعر وPoeme إلى قصيدة وvers إلى بيت. فالأول يعود في أصله إلى اللفظ اليونانيPoiein ويعني صنعَ أو بنى أو فعلَ. ثم وصل إلى اللاتنية Poiêsis وانتهى إلى الفرنسية بالصيغة المعروفةpoésie وظلت تحمل المعاني نفسها حتى قيل بالفرنسية عن عملية الإنجاب” فعل أو صنع أو فبركة”Faire un enfant من دون أن تكتسب معنى الخلق. وقد عرفت اللغة الفرنسية الشعر في صيغة أغانٍ ظلت شفهية، حتى اختراع المطبعة التي أدت، كما هو الحال في جميع مناحي التأليف، إلى انتشار الكتابة والقراءة، ومن بينها تلك الأغاني. ومع وضع قواعد الموسيقى والقافية اكتسب معنى الإنجاب الأولي معاني الخلق والإبداع، وتم تمييز هذه الأغاني عن النص النثري، لكنها لم ترقَ من حيث العروض والبلاغة والأغراض إلى مستوى ومحتوى كلمة “شعر” العربية، والأمر نفسه ينطبق على لفظتي Vers et poème اليونانيتي الأصل، وتعنيان على التوالي السطر والنص، وليس البيت الشعري والقصيدة. وبالطبع، إن هذا لا يتيح لنا المجال إلا لنعترف بوجود نصوص عاطفية تعتمد وزنًا بسيطًا، وفق تقسيم مقطعي وقافية أكثر بساطة، لكن يمكن لنا أن نزعم أن هذا لا يطابق ما نسميه بالعربية “شعرًا”، ومن المؤكد أنه لا يرقى في تاريخيته إلى القدم الذي يوغل فيه الشعر العربي المكتمل التوصيف بالتنوع العاطفي المدهش في الأغراض والتنوع الأكثر إدهاشًا في ستة عشر بحرًا موسيقيًا مع تنويعاتها الخاصة.
وحول ماهية الشعر العربي أجمع النقاد والمؤرخون العرب، على مر عصور التدوين، على أن ميزتي الشعر عن النثر هما الوزن والقافية، حتى نُقِل عن “الجاحظ”: “إن المعَاني مَطْرُوحَةٌ في الطريق يعرفُها البدويُّ والحَضَريُّ، وإنما الشأنُ إقامةُ الوَزْن وتَخيُّرُ اللفْظ، وسهُولَةُ المَخْرَج… فإنما الشعر صياغةٌ وضَرْبٌ من النَّسْج وجنسٌ من التَّصوير”، وعلى الرغم من إضافة الصورة ظل الأمر مقتصرًا على اللغة. لكن الفيلسوف “أبو الحسن العامري” أضاف الكثير واقترب من المفهوم الموسيقي الحديث حين قال: “الشعر هو كلام مركَّب مِن حروف ساكنة وأخرى متحركة”، وتجاوز المفهوم اللغوي البحت حين تحدث عن “المعاني المميزة” وهي بالطبع أبعد من تلك “المطروحة في الطريق”، وفتح آفاقًا جديدة حين وصل إلى “مقاطع شعريّة منتظمة، ومتن شعريّ متعارف عليه”، واقترب – بما تحمله هذه التعابير من غموض متخم بالاحتمالات – من المناحي النقدية الحديثة.
أما النقاد المحدثون العرب فقد أسالوا الكثير من الحبر خاصة بعد اطلاعهم على الشعر الغربي ونقاده، بحيث يمكن القول إنهم دفنوا الشعر العربي في ذاكرة مثقوبة، وأولوا الاهتمام للشعر الغربي والنسج على منواله نظريًا وعمليًا، حتى فتح الناقد النبيه “كمال أبو ذيب” أفاقًا جديدة من خلال المنجزات النقدية الحديثة من البنيوية والسيميائية إلى محاولات ما بعد الحداثة، وقد حدد هذه الآفاق في مقدمة كتابه الشهير “في الشعرية”، حيث يقول:
“سيكون من السذاجة أن تطمح هذه الدراسة إلى حل مشكلة الشعرية، أو تقديم ما يزعم أنه فهم نهائي لأبعادها. فقد شغلت هذه المشكلة الفكر النقدي في هذا العالم منذ “أرسطو”، وما تزال تحتل موضعًا مركزيًا في أنظمة نقدية وجمالية كاملة” (ص 16 في الشعرية). ثم يعود ليستخدم ميزته الملفتة في مزج العربي بالغربي ليوضح أن “الشعرية هي قدرة عميقة نادرة على استنباط الإنسان والعالم، الطبيعة وآلهتها، المجتمع وصراعاته، الحضارة وسمومها وعظمتها، الطبقات المسلوبة وملحمة صراعها ضد طبقات لم تزل عبر التاريخ تمسح وجودها بالقسر والقهر والقمع”. (ربما فاته أن يضع نقطة فوق حاء تمسح لتصير تمسخ).
ويقترب “أبو ديب” كثيرًا من الماهية الحقيقية للشعر عامة والعربي خاصة (في محسناته البديعية والبلاغية) حين يؤكد أن “التركيز على المتلقي، ودوره في خلق النص وبنيته الدلالية، يمثل أبرز الاتجاهات الحديثة في النقد الغربي المعاصر وهو الاتجاه المعروف بـ “استجابة القارئ النقدية”. .Reader response criticisme أي ما أشكل على النقد العربي الحديث حتى قيل “الغموض والقارئ المثقف” وغيرهما من المصطلحات التي تحاول تأطير العلاقة بين الشعر والقارئ من دون الانتباه إلى ماهية الشعر الحقيقية بأبعادها التي لا حدود لها، حتى قيل “لكل شاعر شيطان”، وقيل عبقر في محاولة تسخيف ما قاله “الجاحظ” عن المعاني. فالمعاني تأتي من مكان مجهول، وتأتي على درجة عالية من الغموض، وإذا اتضحت تكون سخيفة وسطحية، وليس لها أي محتوى شعري.
يبدو أن لا حل لمنشأ الشعر والشاعر إلا بالوحي، ولا حل للغموض والسطحية إلا بالإيحاء. والوحي ليس إلهيًا، إنما هو كامل الوجود الإنساني منذ بداية الخليقة حتى لحظة الشعور وشعره. ومركز الشعور في الدماغ والجملة العصبية لم يتمكن العلم بعد من الإحاطة الدقيقة بهما، بحيث يمكن كشف مواطن الاختلاف في المشاعر بين حي وآخر، من إنسان وحيوان، وربما نبات. كذلك لم يتم بعد كشف طبيعة ومدى تراكم التراث الإنساني في الإنسان المعاصر. وتاليًا، يمكن القول، حـتى إثبات العكس، إن جينات الشاعر النفسية والثقافية والوعيية تبعث بالوحي الساطع. هذا هو الموحى، والشعر ليس صورة ولا معنى ولا فكرة، إنما إيحاء: إيحاء سريع وواضح، وإيحاء عميق ومدهش.
وإذا أخذنا أجمل الأشعار العربية من قديم وحديث، وتعاملنا معها وفق الصورة قد نجعل منها مثارًا للسخرية:
“مكرٍ مفرٍ مقبلٍ مدبرٍ معًا” واحدة من أعقد الصور الشعرية، فهي تصور فارسًا فوق خيل، يبدو فيها هذا الفارس مربكًا في حيرة مضحكة من أمره، فهو لا يقدم ولا ينسحب. وتاليًا، لا تبدو عظمة هذه الصورة إلا من خلال ما توحيه من قدرات هائلة على المنازلة والمراوغة في ساحة الوغى.
أما الصورة العظيمة الأخرى: “كأنك في جفن الردى وهو نائم”. هنا تعظم الصورة بحيث يستحيل إدراكها إلا فيما توحيه من عظمة (سيف الدولة) الممدوح وجرأته في القتال، وجسارته في مواجهة الموت، حين “ينوِّمه”و”يمترس” خلف جفنه، لتمر “به” الأبطال كلمى هزيمة، و”وجهه” وضاح و”ثغره” باسم.
وإذا تركنا امرأ القيس الجاهلي والمتنبي العباسي إلى شعر العصر من تقليدي وحديث، وأخذنا صورة: “فصلتُ من جلد النساء عباءة، وبنيت أهرامًا من الحلمات”. فالصورة في التصور ليست إلا سلسلة من الجرائم المروعة، ولا تختلف عن أهرامات الجماجم التي تركها الخمير الحمر في كمبوديا. لكن عظمتها تكمن بما توحيه من عشق وجنس، أي بما رآه منها، وليس فيها، قراء شاعر المرأة العظيم نزار قباني.
هذا في الصورة، أما في المعنى والفكرة فيقول أدونيس:
لو أن البحر يشيخ
لاختار بيروت ذاكرة له.
المعنى مجهري لا يرى، أما الفكرة فمثيرة للسخرية. لماذا بيروت وليس أثينا أو روما أو حتى صور؟! هذا اذا اقتصر “أمر البحر” على البحر الأبيض المتوسط. لكن عظمة كلام أدونيس فيما يوحيه من عظمة بيروت خارج المقارنة، وربما في عاطفة “أدونيس” وقرائه وحب الجميع لمدينة الشرائع! إذًا، ومن دون مناقشة أي من تعريفات الشعر القديمة والحديثة يمكننا القول: إن الشعر وحي وإيحاء. ومن دون أي مجازفة يمكن القول: إن الشعر العربي أقدم وأكمل شعر في تاريخ الإنسانية حتى أي إشعار آثاري جديد وموثوق.





