العدد الثاني

ولا يزال العنقود يتدلّى: قراءة في رواية “عنقودٌ مِنَ الشيزوفرانيا”  للكاتب العراقي كريم عبد الله  

(الكون ساعة هائلة من حيث تبدأ تنتهي، ومن حيث تنتهي تبدأ بلا انقطاع… من حرّك هذه الساعة!) يفتتح (كريم عبد الله) روايته (عنقود من الشيزوفرانيا) بهذا التساؤل، لندخل معه في ملحمة جلجامشية حداثوية. أقول جلجامشية لأنها رواية اشتملت على كل صراعات وتساؤلات جلجامش، من عشتار التي تجتاح صورها الرواية في أزمتها مع التفاحة إلى الصراع مع الشرير خمبابا ثم أنكيدو الذي مات، ومواجهة حقيقة الموت ودور الحية في مشكلة البشرية مع الخلود، وإن كان جلجامش قد وجد في النهاية تعريفًا لمعنى الحياة، إلا أن كريم يصر على استفزاز القارئ بلغة تسيل عذوبة، فيما هو يشاكس ويظل يتركه في حيرة حتى آخر سطر.

محاور رواية عنقود من الشيزوفرانيا تؤكد أنها عنقود منسوج بلغة أدبية مبدعة بعناية فائقة بين انتقالات المفردات والجمل الصورية والسردية وبين مستويات العمق الفكري للرواية. الإبداع الأدبي (لـ كريم عبد الله) ينقل الصورة (عفوًا أقصد صورًا عنقودية) بسرد تعبيري وشعري، وفي الوقت ذاته يتنقل بالقارئ بين حالات من الدهشة والاشمئزاز وحالات الاستفزاز والمساءلة التي تلغي الثوابت في عقل (أنا ونحن).

الرواية تمتلك عدة مستويات، سأبدأ بالمستوى التوثيقي في الرواية لكل من تاريخ رعاية الصحة النفسية في العراق، وثانيًا الواقع النفس – اجتماعي للفرد والمجتمع العراقي، وثالثًا الواقع السياسي للمرحلة الحاضرة من تاريخ العراق. وعلى المستوى الأعمق والكلي يوجد التساؤل الفلسفي متمثلاً بالسؤال الوجودي (من أنا؟ ومن نحن؟ وأين موقع أنا من نحن؟) وماهية الإنسانية وطبعًا السؤال الخالد: ماذا؟ ولماذا الحياة والموت؟

لنبدأ رحلتنا مع التوثيق لأزمة المريض العقلي في العراق ونقرأ في ص 8- 9 (الجميع يتفقون أن هذا المكان يبدو للناظر إليه من الخارج جميلًا… أما لو دخلت إلى أعماقه فستجد اختفاء الحياة وانطفاء السعادة والأحلام المجهضة، وتتلمس بنفسك آثار القمع والاضطهاد والتسلط). هذا هو واقع المريض العقلي سواء أكان (فاقدًا) أم (مستقرًا). واقع المرضى الحقيقي أنهم في الردهات المقفلة بأقفال الخوف الذي يتكاثر خلف أبوابها المتصدعة حزن مزمن… ضحكاتهم بكاء طويل مزمن، المستقبل كالماضي يبتسم متهكمًا على تلول الخيبات… ماذا يعني أن تكون مصابًا بالفصام، وأن تقبع بلا أفراح في عمق هذا الظلام… ثقيل هو الأسى الواقف إلى جانبك يرافقك حتى المثوى الأخير، حيث تحمل أحلامك الصغيرة مجاذيف عارية، ذاكرتها بلا تواريخ. ونجد في الصفحات ص 76 إلى ص 84 أمثلة على حوارات وأحداث تتنقل ما بين رسم معاناة مرضى في المستشفى والمعاناة النفسية للمرضى في مجتمع يقول بالرحمة ولا يعرف معناها الحقيقي، فنجد مريضًا يقتل مريضًا نتيجة النظام المتخلف للرعاية في المستشفى، إلى معاناة مريضة مثلية الجنس. ووسط هذ التنقلات نجد حوارات الصراع النفسي للمريض مع الذات ومع المجتمع القمعي. وعلى الرغم من ذلك يبقى الحوار بين الأمل واليأس مستمرًا فيقدم (كريم عبد الله) مقترحًا على لسان مريضة (إننا الآن نعيش هنا، هذا قدرنا بعد أن تخلى عنا الجميع… قد يظن الذين خارج جدران هذا المكان بأننا مجنونات لا يمكن الاطمئنان منهن ومن شرورهن، لكنني أرى بأننا أصبحنا نشترك جميعًا في مكان واحد). نعم هذا الوعي يمكن أن تجدوه داخل المستشفى ويعبر عنه مرضى. وفي ص 84 يقترح مريض متعلم اقتراحًا بنّاءً وتنمويًا، ولكن (كريم عبد الله) كالعادة يتركنا هنا في حيرة بين تصديق تحقق الأمل أم الاستمرار في الحلم بالأمل! هل سيتحقق فعلاً مشروع المريض؟ (مهند المهندس الزراعي) وهل سيتم تطبيق نظام البيوت المحمية (ص 110) بدلًا من ترك المرضى في قاع نسيان المجتمع والإهمال القاتلين؟ هل يمكن أن يكون كل عراقي جلجامشًا يحكم بعدل وإنسانية ويتبنى مفهوم (كريم عبد الله) معنى العمل الجماعي من أجل حياة سعيدة (ص١٠٤ الأعمال الكبيرة تبدأ من…)؟؟؟ الرواية توثق وتغور في الصراعات النفس – اجتماعية للمجتمع العراقي، وعشتار هي مسبار الغور. عشتار في واحدة من رحلات الرواية تتقمص شخصية (وزيرة الكردية) لتبحر في ثنايا الرواية في بحثها عن لذة لا يسمح بها المجتمع، فتسقط أسيرة الجنون بسبب الصراع بين الرغبة والخطيئة. الصراع في مجتمع لا يستطيع أن يطور مفهومًا لحقوق الإنسان، كيف يمكن احترامها مع الحفاظ على الانتماء الجمعي! وعلى الأغلب، تذهب النساء ضحية الاتهام بالعهر. وأيضًا يبقى ما يسمى بالمثلية الجنسية عارًا يدمر ضميرًا يتصارع مع شهوة تصل إلى حدود الهوس المرضي، ولكن يبقى المجتمع يحاسب هذا الإنسان ذكرًا كان أم أنثى من دون أي تفهم وتقدير لعامل الاندفاع بسبب المرض النفسي. في ص 121 نهاد تناجي نفسها المعذبة (أنا الملعونة الشريرة، أنا المكروهة من الجميع، فليطاردوني ويرجموني بالحجارة… فشلت في كل شيء مع نفس مسلوبة الإرادة وعقل فارغ، لا أحد يغفر لي شروري الخارجة عن سيطرتي… أحاول أن أتخلص من شرور نفسي بالانتقام، عليهم أن يتحملوا ما ارتكبوه بحقي، كلهم ساهموا في سقوطي نحو الحضيض) اسأل نفسك عزيزي القارئ: كم عاقل يستطيع أن يستكشف دواخله، كما تستكشفها هذه المجنونة، لئلا يقع في السلوك الانتقامي بشكل أو بآخر؟؟؟

وطبعًا، لا بد أن يضم العنقود حبات عن الواقع السياسي للمرحلة الحاضرة من تاريخ العراق. جسد العراق الذي انتهكته صراعات سياسية بين قوة عظمى أحتلته ولاعبين سياسيين فاسدين استخدموا اسم الله حتى كفر البعض بالله بسببهم، اذ استخدم اسم الله من دون فهم حقيقي للإنسانية في الدين. ومعنى أن يقول الإمام علي عليه السلام إن لم يكن لك أخ في الدين كان نظيرك في الخلق، أدى إلى أن تتحكم بالعراق عقلية القطيع الطائفي. يقع المرضى وسط قتال بين القاعدة الأمريكية وهؤلاء اللاعبين (ص 151) وتحترق ردهات في المستشفى في خضم هذا الفساد والصراع، ويسأل (كريم عبد الله) أيضًا من دون خوف (ص١١٧من المسؤول عن قتل الكفاءات؟) ويستعرض الاحتمالات (عملية سرقة، أم تصفيات سياسية، أم عمليات مدبرة من قبل جهات مجهولة لتصفية البلد من الكفاءات!!!) وفي ص (116) يذكرنا (كريم عبد الله) كيف أن آلامنا أصبحت لقمة سائغة يتداولها مراسلو القنوات الفضائية، كل يمضغها وفق اتجاه القناة السياسي ليغسل بها عقول القطعان.

أما نحن العراقيين فلا نزال نتصارع في حوارات أغلبها يظهر على شكل عنف دموي وليس حوارًا عقلانيًا، في ص 125 يتنقل الحوار بين (تأثير التناقضات الداخلية والضغوطات الخارجية… وفقدان العدالة… لقد تورط الإنسان في هذه المذابح، أصبح عبدًا لمعتقداته ونزواته ورغبته في الانتقام. نحن لا نمتلك فضاءً نمارس فيه حريتنا، فضاء يرفض العسكر والخرافة، وتكون السلطة فيه للقانون…).

ونصل إلى أعماق العنقود المجنون بالتفكير في معنى الوجود، أقول إنه مجنون لأن عقل إنسان الشارع العادي يقبل ما يقال له من دون مساءلة للحقيقة! في ص 93 يكمن السؤال الوجودي للمجنون (من أنا؟ من نحن؟ ومن هم؟ سنبقى نحن هم الذين نحن… نحن الشاهدون على هشاشة الواقع، نحن الوارثون لإرث الخراب العنيف… لقد قدر علينا أن نكون نحن)، فالمجتمع لن يميز الـ (أنا) بل سيبقى يحكم على (هم) وفق منطق قطيع الـ (نحن). فيما يبحر القارئ بين السطور سيجد دائمًا الصراع بين الحياة والموت الذي يواجهه الإنسان الذي فقد مكانه في المجتمع ليدفن حيًّا في المستشفى، ويجد الوقت والظرف المناسبين ليتعمق في حقيقة الصراع بين فائدة الحياة وفائدة الموت، ويواجه صدمة جلجامش بموت أنكيدو، فيستمر بالبحث عن ماهية الحياة بين الرغبة في خلود مؤجل أو مجهول أو غير ممكن، والبحث عن سعادة حياة مفقودة ولكن مصطنعة في عالم الواقع. وعلى مستوى آخر سينتقل (كريم عبد الله) بالقارئ من الوجه الديكارتي لعملة (أنا أفكر إذًا أنا موجود) إلى وجه (أنا مجنون إذًا أنا غير موجود) وهو الوجه الآخر لمعنى الحرية عندما يتصارع العقل مع التفاحة بشهادة الغيب (ص 154- 155: آهٍ أيها الضمير المستفيق في زمن الوهم، متى تمنحنا الطمأنينة بدلاً من وخز سياطك؟ ما هي حقيقة وجودنا في هذا الزمن؟ كيف سنصل الى معرفتها ونحن نعيش ها هنا؟ ما الفائدة من التمسك بالأخلاق وقد تساوى الجزاء في حالة تطبيقها بعدم ذلك؟ لا بد من وجود عالم آخر تتحقق فيه العدالة والسعادة، لكن من يضمن لنا وجود هذا العالم الآخر؟؟؟!!!  يصبح (كريم عبد الله) رمز الإنسان التفكري بعمق: (ما زلت أمتلك المتناقضات: الموت والحياة، الوجود واللاوجود، الخير والشر، السعادة والتعاسة… أنا أدرك مقدار هذه المعاناة، وأرغب بألاّ أتخلص منها، أي عشق للآلام أرتكبه بحق نفسي) ثم في ص 160-161 نقرأ (حينما تنتابنا نوبة الجنون نكون أكثر سعادة حيث يتخاصم الجسد مع الوعي، لا سلطة لأحد على الآخر، كل يغني على ليلاه، يهرب الجسد بعيدًا ويمارس أفعاله من دون رقيب، بينما يمارس وعينا رياضة أوهامه في فضاء شاسع، إننا سجناء أفكارنا… ربما ما يفعله الجسد هو بعض من الحرية، وما يقوم به الفكر حرية بأضعف الإيمان)!! ويبقى دائمًا العقل المتحرر من أقصى قيوده في رحلة الذهاب والإياب اللامتناهية في مشاكساتها، فنجد في ص 124 (ها هو العالم يغتسل مني في منيّ القبح بينما الإنسانية محاصرة بألغام هائجة، أخفت فراديس الأمل مؤسسات الأديان التي شوهت وجه الله… الذين يحرقون الجمال في جحيم.

بشرهم الرب بالثبور، يوم يأتي نبي الخصب ويزرع بذور الأمل فينمو في النفوس، الرب لا يقتل أولاده) الأمل هو (ما زالت الأرض حبلى بالأيمان، لن تتنازل تحت طغيان الكراهية بعدما ملأتها الحروب فجيعة، لا بد من أن تعود صافية يظللها قوس الله… سيجيئ نبي الجمال الذي يؤمن بالحياة، ويعيد إلى الإنسانية بسمتها العريضة، ينشر الأمل في الأرض وتورق الأحلام أيامًا جديدة).

ولكن هذه ليست الخاتمة، فلا خاتمة لهذه الرواية العنقودية، إذ يبقى (كريم عبد الله) يجادل لماذا، وماذا هو الموت، وتبقى (الريح تعبث بمكر بأوراق الشجر)، ويستمر الاستفزاز (ص 164 هل وجودنا حقيقة في هذا العالم؟ هل هذا العالم عالم حقيقي؟ هل نحن شيء أم لا شيء؟؟؟!!).

وفي الصفحات الثلاث الأخيرة يتدلى العنقود إلى (علينا أن نكون أوفياء للحياة حتى نتحمل الموت، علينا أن نعشق الموت حتى نعيش الحياة!) (أين يكمن النور، في الموت أم في الحياة؟ هل حياتنا هذه جديرة بأن نعيشها كما هي؟ ما الخير والشر في الحياة؟ وما الشر والخير في الموت؟)! (أنا قررت أن أنهي هذا العنقود من الشيزوفرانيا بهذه الطريقة كيلا يتكرر مرة أخرى… ربما كانت الحياة قصيرة، ولكنها جميلة وتستحق، لقد أشغلت حياتي بالكثير من الأعمال الخيّرة… الآن، أنا آمل بأن تستمر حياتي وتكتمل، الآن… سأنعم بالراحة الأبدية… الآن، سأعبر إلى الضفة الأخرى بأمان… ستبقى الحياة هي الخير الأعلى، فلولا الموت لما كانت هكذا مدهشة ونادرة…) لا تستعجل أيها القارئ الكريم، فصدمات العنقود لم تنته بعد، فالكاتب الكريم يبقينا في حيرة مستفزة لحرية اختيارنا مع سطره الأخير (سقطت يده من على صدره حرة متدلية في الفضاء، بينما الأخرى ما زالت تمسك بقوة مسند الكرسيّ).  

باهر بطّي

نفساني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى