التصوف بين النشأة والتأويل
من التصوُّف التاريخي إلى التصوف الجديد: جدلية النشأة والمقاصد
كثيرة هي الفرق الصوفية التي شطحت عن مقاصدها اللفظية والروحية، فقطعت الطريق الفاصل بين التصوف والعرفان. ولذا، لا بد من “حزام صوفي آخر” لا تطغى عليه الخشونة ولا اعتزال الدنيا عند مقاربة الحديث عن الجدل الصعب بين التصوف والعرفان.
إن المؤالفة بين التصوف والعرفان تقتضي الكشف عن البدايات التأسيسية الأولى لكلتَا النزعتين في تراثنا الإسلامي بخاصة، وتراثنا الإنساني بعامة. وهذا ما يحتاج إلى لغة أرحب وأوسع من مجرد الحديث عن تبجيل الطاقات الروحية الهائمة بالحب الإلهي، ويحتاج أيضًا إلى قفزة كونية تتلاقى فيها الصوفية بمختلف مذاهبها.
يُقال إن التصوف نشأ كحركة رافضة لمتاع الدنيا وزينتها، في حين أن اعتزال المتصوفة في بداياته الأولى عن الاجتماع السياسي والديني كان تعبيرًا واضحًا عن:
• أولاً: الاحتجاج على أنظمة الجور والظلم والفساد.
• ثانياً: الاحتجاج ضد ظواهر تجويف الدين وتحريفه.
صحيحٌ أن التصوف كأسلوب حياة اقترن بالزهد والتقشف والانصراف عن طغيان الماديات على الروحانيات. إلا أن هذا الإطلاق والتعميم يجب أن يفصل بين اعتزال الصوفي لغرائز الجسد وجوهر التصوف الذي نشأ في بداياته على طموح وحيد، وهو طلب المعرفة، وقوامها عند الصوفي هو معرفة الله -سبحانه- وتعالى.
2. العقل الصوفي ونقد حُجُب النصوص
تجدر الإشارة، ونحن بصدد تعريف التصوف التاريخي، إلى أن بداياته الأولى انطلقت مع أول اختبار للعقل الصوفي، الذي طرح معادلة جدل العلاقة بين المعرفة وتصفية القلوب وتطهير النفوس من الرغبات كلها التي تحجب طلب هذه المعرفة.
وكانت أوائل الحُجُب التي بدأ الصوفيون بنقدها هي حُجُب النصوص الدينية التي تحجَّرت عبر التاريخ. من هنا نشأت أولى أعمال التفسير الصوفي للقرآن الكريم، وهو تفسير رمزي اعتمد على قراءة بواطن الآيات في ضوء محاولة معرفية لاكتشاف الحلقة المفقودة بين “القرآن المكتوب” و “قرآن الكون”، استنادًا إلى قوله -سبحانه- وتعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ، وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت: 53].
صحيحٌ أن البدايات الأولى لنشأة الفرق الصوفية في تاريخنا الإسلامي كانت في القرن الثاني للهجرة، وهو قرنُ ازدهار المعرفة، والترجمة، والفتوحات. وقد تأثر التصوفُ التاريخيُّ في ظل هذا المناخ بالانقسامات التي ظهرت لاحقًا، والتي أغفلها الباحثون عند دراسة واقع التصوف في العهود الأموية، والعباسية، والفاطمية، وسواها.
3. جدلية المرجعية والانقسام الفقهي
في ضوء ما سبق، يثور نقاشٌ واسعٌ ومحتدم حول السؤال عن مرجعية التصوف التاريخي ومصادره: هل هي مرجعية إسلامية صافية؟ أم أنها مرجعية إسلامية تداخلت معها الفلسفات القديمة من هندية، وبوذية، وصينية؟
لعل هذا الانقسام، وهذا الالتباس هو ما دفع ببعض فقهاء الشريعة إلى تكفير الصوفيين ونعتهم بالزندقة والإلحاد، وذلك لسببين رئيسيين:
1. الخروج عن النصوص والتأويل المفرط: نزعتهم إلى الخروج عن النصوص، وذهابهم بعيداً في التأويل، لدرجة أن مفهوم الجنة والنار، على سبيل المثال، لا يُعَدُّ عند الصوفي جنةً ماديةً ولا جحيمًا ماديًا، بل هي مجرد رمزيات.
2. نشأة التيارات المضادة: إفراط أئمة التصوف في تأويل القرآن وأحاديث السُّنة الطاهرة، نشأ عنه تياراتٌ مضادة. وهذا التأويل الصوفي والتأويل المضاد هو ما أوقع الكثير من الباحثين في حيرة عند رؤيتهم للتصوف التاريخي.
من الواضح أن المعتقدات الصوفية ليست على طريقة واحدة. وبوسع الباحث والناقد والمؤرخ أن يؤرخ لعشرات الفرق التي نشأت في ربوع الشرق وامتدت إلى المغرب العربي، ومنه بدأت في الانتشار والتكاثر في القارة السمراء.
4. التصوف والعرفان: الرتبة الأعلى ووحدة الوجود
لعل أبرز التحديات المعرفية لتصحيح النظرة إلى الفرق الصوفية وحركاتها الإسلامية هو الحديث عن علاقة التصوف بالشريعة. وهي علاقة لا يمكن أن نحسم الإجابة عنها إلا في ضوء ارتباط التصوف بالعرفان.
فإذا كان الصوفي يَنشُدُ رؤية الحق عن غير طريق الحواس، ويتقصّى بنظره الظواهر الطبيعية لاكتشاف ما ورائها، فإن العارف بالله أو العرفان هو الرتبة الأعلى؛ إنها رتبة الوصول إلى اليقين، وإلى مقام الكشف عن وحدة الوجود ولُبِّها وصميمها. ولهذا، سنجد أن بعض أئمة الصوفية كانوا يَصْرِفون التلاميذ الذين لا يحتملون مشقات التصوف والعرفان.
وباختصار: إذا كان الصوفي يرى ما لا تراه العين، أو تسمعه الأذن، فإن العارف بالله يذهب إلى عين الحق ليتّحد بها، فإذا به هو الرائي والمَرْئي في صورة واحدة. ومن هنا بالتحديد ستنشأ إشكالية: ماذا نعني بفلسفة الاتحاد عند الصوفية أو فلسفة الحلول لديهم؟
والسؤال الآن: هل جنحت الفرق الصوفية إلى التطرف، وإلى استخدام العنف كوسيلة للإصلاح والتغيير؟
بالتأكيد لا، لأن المجال الحيوي للتصوف والعرفان هو مجاهدة النفس، المفتوحة على مجاهدة النفس المجتمعية، كنموذج للنقاء والصفاء.
وفي هذا السياق، يسعني الإجابة الموضوعية عن دوافع الغرب بعامة، والأكاديميات الفرنسية بخاصة، للاهتمام بالظاهرة الصوفية والعرفانية في التراث الإسلامي.





