الرقص حول القاعدة
بيكاسو لم يكن يرسم، بل كان يهاجم الرسم نفسه. ضرب الجمال بالفأس، مزّق الكانفا، وبصق على النسبة الذهبية. كان يقفز من مرحلة إلى أخرى كما يقفز طفلٌ ثمل فوق بُرك الوحل في الحديقة الخلفية للحداثة. أمّا دالي، فكان يرتدي قفازات بيضاء وهو يصفع الواقع؛ يحاول أن يُقنعنا أن الكابوس يمكن أن يكون مهذبًا، أن العبث يمكن أن يُصاغ وفق معايير الأكاديمية الملكية للفنون السريالية.
بيكاسو كان ثورة ضد اللغة البصرية، أما دالي فكان يُطيل النظر في المرآة، يسرّح شاربه، ويقول: انظروا إليّ، أنا الجنون المدجّن. جمع النمل والملاعق والأسود والنساء الممددات كأنهنّ في لوحة فلامنكو، لكنه فعل ذلك تحت سقف الكاتدرائية، لا في خراب الشارع.
دالي لم يكن يخترق القاعدة، بل كان يرقص حولها، يزخرفها، يُدخلها في الكادر ويقول لنا: هذا هو اللاعقل… لكنه مُؤطّر. إنجاز دالي الأكبر ليس في لوحاته بل في شخصه — السيرك المتنقل، الاستعراض الفخم، نبيّ الخرافة البصرية الذي يبيع العبث على شكل بطاقة بريدية.
هنا تمامًا، يظهر الفرق بين العبث الكاموي والعبث الدالي: الأول يصحو كل يوم ليسأل “لماذا لا أنتحر؟”، والثاني يصحو ليسأل “من لم يشاهدني أمس؟”. بيكاسو كان يطعن اللوحة حتى تنزف شكلاً جديدًا، ودالي كان يلمّع الخنجر ويبتسم للكاميرا. وكأننا في عرض مسرحي رديء أخرجه فرويد، وبيعه وُكّل إلى سلفادور دالي.
بيكاسو صنع الحرب، دالي صمّم ملصقها.





