فئران أمّي حصّة – للكويتي سعود السنعوسي تفكيك الطاعون الاجتماعي
“الفئران قادمة.. احموا النّاس من الطّاعون”
عبارة مقتبسة من المسلسل الكويتي «على الدّنيا السّلام»، رددتها سيدة اسمها «فؤادة» كانت تتعالج في مستشفى الأمراض العقلية في الحلقات الأخيرة.
رُبِطَت العبارة بقصّة كانت ترويها ربّة منزلٍ اسمها “أمّي حصّة” لابنها وصديقه قبل النوم، وكل أحداثها تروي حال فئران أربعة لم يرها أحد في حوش البيت (الفناء). فئران شكلت فيما بعد النواة الأولى لمجموعة إعلامية أُطلِقَ عليها اسم «أولاد فؤادة» … ومن هنا بدأت المغامرة.
صوّر الكاتب «سعود السنعوسي» في روايته “فئران أمّي حصّة” كابوسًا مرعبًا مستقبليًا لما قد تؤول إليه أحوال أيّ بلد تحكمه الفِتَنُ الطّائفيّة، وأطلق على هذه الفتنة مُسمّى «الطّاعون»، وحاول أن يُجيب عن سؤالٍ شغله في الصفحات الأربعمائة والثلاثة والسبعين كلها: كيف نحمي مستقبل الوطن من طاعون الحقد الطّائفي؟
سرد الكاتب في روايته المراحل التّاريخيّة العسيرة التي عاشها شعب الكويت بمذهبَيْهِ (السّنيّ والشّيعيّ) منذ العام 1985 والتّي تأثّرت بالأحداث السّياسيّة في الكويت وجوارها (الثّورة الإسّلامية في إيران في العام 1979)، ثم غزو العراق للكويت في العام 1990، وصولًا إلى الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003، وتبِعات هذه الحرب الأخيرة، فقسّمها إلى أربعة أقسام، أو “فئران”:
الفأر الأوّل: شَرَرْ
«بدْءُ الفتنة المذهبيّة، وتأثّر الطّائفة السّنيّة بالحرب العراقيّة الإيرانيّة وتمجيدهم للرّئيس الرّاحل صدّام حسين، لدرجة أنّ أحد شخوص الرّواية لم يعد يتحمّل إقامة ابن بلده الشّيعيّ بجوار بيته…
صُوَرُ الّرئيس صدّام حُسين كانت قد ملأَتْ جدران المنازل، والشّيعةُ عاشوا التّرقّبَ لما سيؤول إليه حالهم بعد انتهاء الحرب»
الفأر الثّاني: لَظى
«من كان الشّعب يمجّده غزا وطَنَهُم، فصار الكويتيّ السّني في حيرةٍ من أمره، كيف يكره من كان في نظره “سيف العرب”؟ يتساءل الكاتب في هذا القسم من الرواية عن آليّة ولائنا للقادة، وكيف للمواطن (الكويتي/ العربي) أن ينقلب من حال إلى حال بسبب تغييب المنطق والتّعصّب المذهبي.
الفأر الثّالث: جَمْر
« هوحال القلوب التي أضناها ألم انتظار عودة الأسرى من السّجون العراقيّة من جهة، والظّروف القاسية التّي عاشها العراقيّون في الكويت من جهة أخرى، وهم يلتزمون الصّمت أمام مشهدِ الحربِ التي تقودها أمريكا ضدّ وطنهم العراق كالجمر المتقّد تحت الرّماد. هم حيارى، لا يستطيعون العودة إلى الدّيار، ولا النّطق بلهجتهم العراقيّة في وطنهم الثّاني».
الفأر الرّابع: رَماد
الكابوس المُرعب الذّي صوّره الكاتب إذا بقيت المذهبيّة مسيطرة على عقل وقلب الشّعب… أحياءٌ سكنيّةٌ ستنفصل عن بعضها، ومتاريس عسكريّة ستملأ الشّوارع، وسيُطلِّق السّنيّ زوجته الشّيعيّة، ويحلّ السّواد في الوطن وتنتفي حريّة الكلمة… والمشهد السّائد “التفجيرات الإرهابية”.
الأصدقاء الثلاثة هم محور الرّواية، تدور أحداث القصة على لسان أحدهم، فيحكي عن نفسه وعن أصدقائه منذ بداية تكوُّن وعيهم حتى أصبحوا في الأربعينيَّات، وتظهر في طيَّات قصّتهم كلُّ التحولات والمتغيرات السياسية والاجتماعية في الكويت على مدى ثلاثين عامًا.
يفصّل «السنعوسي» الفروق الدّقيقة بين المذهبين في الفكر والفقه، وفي كثير من تفاصيل الحياة اليومية، ولكنَّ المفارقة تكمن في كيفيّة التّعاطي مع تلك الاختلافات بين ثلاثة أجيال متتالية؛ فالجدّتان “أمّي حصّة” وأمّي زَيْنَبْ” كانتا رمزًا للتّسامح؛ تتعايشان بحبٍّ مع اختلافاتهما، فاتخذتا من الاختلاف مادة للطرافة، أما ابناهما “صالح” و”عبّاس” فالصّراع بينهما اتخذ أشكالًا متنوعة من النّكايات والمشاحنات وصولًا إلى مقاطعة طعام الآخر، ولكنَّ الشّهامة لم تختفِ، وظلَّت المواقف الصّعبة تجمعهما. الجيل الثّالث المتمثّل بالحفيدين “فهد” و”صادق” وأصدقائهما، كانوا شهودًا على حرب مذهبيّةٍ دامية، ورأوا بأمِّ العين أبناء وطنهم يتقاتلون كالأعداء.
التشدّد المذهبي أخذ منحىً تصاعديًا.
القضايا الأساسيّة التي طرحتها الرواية:
- تأثير التربية في خلق شرخ بين المذهبين.
- تأثير الإعلام ورجال الدّين المتطرفين في تغذية العصبيّة المذهبيّة.
- بَيْنَ تسامح الجدّات، وتعصّب الأجداد، ماذا اختار أهل مدينة السّرة؟
- تعريف القارئ بخصائص الثّقافة الكويتيّة. فلقد وصفت الرّواية البيت والعائلة، واستعان الكاتب ببعض المفردات من قاموس اللّهجةِ الكويتية ليلطّف الصّورة السّوداء الدّامية التي رسمها من الصّفحة الأولى في روايته.
عرّت “فئران أمّي حصّة” واقع الوطن دونما تدوير للزوايا، وأشارت بالبنان إلى كل من يساهم في إذكاء نار الحرب الأهلية بجرأة. هي رواية لن يقدّر عمق تفاصيلها قارئ سطحيّ.
ختامًا، لن ترى في خيالك فأرًا واحدًا في كلّ فصول الرّواية، إلاّ أنّ «أمّنا حصّة» تؤكّد أنَّها كلّما أزاحت مساند الأرائك كاشفةً عن فضلاتٍ بنيةٍ داكنة، تُقارب حبات الرّز حجمًا، تقول إنَّها الفئران. فليس ضروريًا أنْ تراها لكي تعرف أنَّها بيننا، فئران تحاول تفريق شعب الكويت، وربّما باقي الشعوب العربيّة، كل بلد بحسب ظروفه… والمُطمئن أنّ فئة قليلة لاحظت وجود الفئران اللّامرئيّة، وتضامنت مع مجموعة «أولاد فؤادة» المُعتدلة… وأستعير لسان أيّوب: الغلبة للصّوت المرتفع!




