للفن أيضًا… سياسة!!
للفن سياسته أيضًا. وسط هذا الضجيج الحاصل في الساحة الفنية الدرامية على أقل تقدير، تلتف الأفكار حول محيط النجومية الشخصية على حساب التفوق القصصي ودرجة مصداقية الطرح. ويغدو تعزيز المشهد التكراري للأعمال سمة واضحة تُضاف إلى مجموعة سمات أثقلت كاهل الصورة عن الواقع الحياتي للمجتمع العربي.
التلون في العرض الدرامي المُعاصر يقدم مُعطى تقنيًا تُستخدم فيه الأداة الإخراجية بتطور وجمالية عالية، مما أثبت تغييرًا لافتًا ومؤثرًا على عين المشاهد. ومع ذلك، فهو غير قادر على جذب المتابع بالمقارنة مع ترتيب أولوية العناصر الدرامية من حيث القيمة الفكرية والأخلاقية للعمل الدرامي، تزامنًا مع الشكل الروائي المتسلسل الذي لا يتنافَى مع حيثيات المنطق المُدرج ضمن الحبكة الروائية، وفي الوقت ذاته يكون منسجمًا مع روح كاتب النص.
أما بالنسبة إلى المشاهد، فهو يستطيع تجاوز نوعية المحتوى إذا تم تزيينه بنكهة الفوضى المادية التي تروق لشريحة كبيرة من محبي الدراما.
وبين صنفي المهتمين بالتنقل بين حلقات أي عمل درامي، المتابع والمشاهد، توجد فجوة واسعة في العمق. فالأول يبحث عما يشبه همومه وعثراته كمواطن ينتمي إلى مجتمع اتسم بالمظاهر الاجتماعية العبثية المُقيدة ضمن صيرورة تاريخية وجغرافية متشابكة، أسفرت عن واقع سياسي واقتصادي وتربوي مليء بالتناقضات والخذلان. أما الثاني، فهو المشاهد الهارب من جملة الأمور التي يضطر إلى العيش معها في الحقيقة، فيجد نفسه غير مضطر للتعامل معها عند مشاهدته للدراما، التي تشكل لديه منفذًا مهمًا للتلاعب في ماهية الواقع القاسي. ومع الوقت، يغدو ما يشاهده والنوعية التي يهتم بمشاهدتها هي الحقيقة بالنسبة إليه، لأنها الأسهل والمزركشة والمُغيبة عن خارج شاشتها. لدرجة أن اعتياد مشاهدتها سيؤدي مع مرور الوقت إلى تغيير سلوكيات الفرد وفق منظومة مجتمعية جديدة تبتعد عن التعمق وتكتفي بالسطحية.
إن ذلك التباين في الذوق الدرامي قد منح الإنتاج مساحة من التنوع في طرح الأعمال، ولكن، وكما أن هناك صنفين من المتلقين، هناك أيضًا أصناف عديدة من الجهات الإنتاجية، تشترك جميعها في القصد الربحي، لكنها تختلف في الذكاء ودرجة المغامرة لتحقيق الربح منفردًا، أو الربح والاستمرارية معًا، أو إعطاء الربح مرتبة ثانية مقابل تبني التميز والإبداع كمرتبة أولى، حتى وإن كان في ذلك احتمال الخسارة المالية بدرجة احتمال الربح الإنتاجي نفسها.
احتواء العمل الدرامي هو حقيقة يتطلع إليها المخرج صاحب المشروع الفني المسؤول والملتزم حيال النص والمتلقي، وحيال شخصه أولًا كفنان وليس كصاحب مهنة. ولكن ما يحدث في أغلب الأعمال المطروحة في السنوات الأخيرة من الدراما العربية هو أن الاحتواء الإنتاجي أصبح بمثابة مصيدة في الوقت الذي يجب أن يكون داعمًا. ليأتي النص، مترافقًا مع الإخراج والتمثيل، الأقرب إلى الابتذال العقلي والجسدي، ويجسد صورة تتنافى مع وجودنا على الصعيد الأخلاقي وكل الأصعدة الأخرى التي، بطبيعة الحال، تندرج تحت المسمى الأخلاقي.
فنحن اليوم في صراع كبير مع إثبات قيمة الفن الدرامي، وسط كل الانهزامات التي، للأسف، تُمجِّدُها المهرجانات والاحتفاليات المترفة التي تجد في مسلسلات العنف والأكشن غنيمة إنتاجية لا يمكن الاستغناء عنها بعد الآن. كما يتم انتقاء المظاهر الجسدية، والمبالغة في تزويد العنف بعنف إضافي، مما يرسخ فكرة أن الحياة هي عبارة عن ثلاثية مقدسة وفق المنظومة العالمية السائدة: القوة والجنس والمال.
وعندما يصبح الفن الدرامي مدرجًا ضمن سياسة استبعاد خصوصية كل شعب، والابتعاد عن تحمل الواجب في المساهمة في التوعية وتعديل السلوك والإضافة الفكرية كخطوة مهمة في عرض الظاهرة الاجتماعية أو التاريخية، وعدم الاكتفاء بالعرض واعتباره تشوهًا لا مفر منه، بيد أن الدراما تكون أيقونة في بث روح التغيير الإيجابي في المجتمع، مستفيدة من الصورة واللون والأداء الذي يوصل المضمون بشكل أسرع وأكثر نفاذًا، ويتقبله المتلقي المعاصر الذي عمومًا يحتاج إلى من يبسط له الأمر من دون أن يهزأ من همه وعقله وأخلاقياته.
وهنا تأتي الأعمال الدرامية، وإن قلت عددًا، لتساند النفس الأخير في الدراما العربية ولتثبت إبداعها على الرغم من كثرة التنافسات البراقة وخجل المنافسات ذات القيمة الفنية العالية. “لام شمسية” هو عمل تحدى في مضمونه وتقديمه التيار المنغمس في تشويه الأفكار الجريئة، و”الندم”، كعمل سابق، هو أيضًا أنموذج من النماذج القليلة التي جمعت في طياتها ذاك التدفق الكبير للتخبطات النفسية والإنسانية لمجتمع يحاول انتشال نفسه من واقع أليم. وليكون “ع أمل” من الأعمال التي تناولت أهم المواضيع الشائكة والمدمرة للمجتمع. ومع اختلاف وتباين الآراء حول صورة العمل الخارجية، إلا أن الجهد المبذول في تفريغ الواقع السيء في عمل درامي كمسلسل “ع أمل” كان مجازفة تستحق التقدير.
وإذا تم الحديث عن الكوميديا السوداء، نجد أن “ضيعة ضايعة” هي عملٌ راسخ مستمر التأثير. ومع انعدام السبل في جعل الدراما العربية للبلدان التي لا تزال اللهجة غير مساعدة لها في انتشار أعمالها، سيبقى هناك انتقاص للجهد الدرامي وخسارة للمجتمع العربي في معرفة وفهم قيمة المسلسلات التي لم تأخذ حقها في الانتشار.
لحسن الحظ، أن ثمة من يسعى إلى إعادة الدراما إلى سياقها النظيف على الرغم من كل العوامل المجحفة. لكن تبقى سياسة الفن المساندة للعرض السريع المتخبط غير الهادف عقبة حقيقية، تحتاج إلى سياسة أقوى تؤمن بأن الدراما ليست مجرد عرض… بل هي رسالة.





