العدد العشرون

الجنوب ودكاكين الأمس

زينب حازر

أنا لا أتذكّر الدكّان في بلدتي أنصار كمتجر، بل ككائن حيّ كان يفتح عينيه مع الصباح ويغلقهما على همس القرية. كنت أدخله صغيرة، وأشعر أنني أعبر من باب ضيّق إلى عالم واسع، حيث كل شيء متجاور بلا غرابة: السكر قرب المسامير، القمح قرب القماش، والحكايات قرب الميزان. كان المكان يختصر القرية، بل يختصرنا نحن، بضعفنا وأحلامنا وأشيائنا المؤجلة.

كنت أراقب الحاج أنيس خلف الطاولة، لم يكن بائعًا فقط، كان حارس الإيقاع. يرفع رأسه قبل أن نتكلم، يعرف ماذا نريد قبل أن نطلب، ويبتسم بطريقة تشبه من يوزّع الطمأنينة أكثر مما يوزّع السلع. هناك، تعلّمت أن البيع ليس فعل تبادل، بل شكل من أشكال الاعتراف: أنت موجود، أنت مرئي، اسمك مكتوب في مكان ما، ولن يضيع.

الحلوى كانت تلمع في الوسط كعيد دائم. كنا نقترب منها بعيون مفتوحة، كأننا نختبر فكرة الفرح نفسها. كانت بسيطة، شفافة، لا تخفي مكوّناتها، ومع ذلك تحمل سحرًا كاملًا. كنت أراقب النحل وهو يحوم حولها، وأفكر أن الحلاوة تجذب الجميع، حتى الكائنات التي لا تعرف شيئًا عن الشراء. صاحب الدكّان كان يلوّح بيده ليبعدها، وأنا أضحك، كأننا ندافع عن كنز صغير في قلب العالم.

وفي زاوية أخرى، كانت القوارير مصطفّة كجنود هادئين. لم أكن أفهم وظيفتها، لكنني كنت أشعر بثقلها. حين يُصاب أحدهم، يُؤخذ إليه من هنا، من هذا الركن الصغير، كأن الشفاء يسكن بين الرفوف. كان الدكّان يبيع ويعالج ويهدّئ، يجمع بين ما تحتاجه الحياة وما تحتاجه أجسادنا حين تتعب.

اليوم، حين أدخل متاجر كبيرة مضاءة بإفراط، أشعر أن الأشياء أكثر برودة. كل شيء في مكانه، لكن لا شيء يعرفني. أبحث عن تلك الفوضى الحميمة، عن ذلك التداخل الذي يجعل العالم مفهومًا. أبحث عن يدٍ تؤجّل الحساب، عن دفترٍ يقبل الانتظار، عن رفوفٍ تحمل أكثر من وظيفة.

أنا ابنة ذلك الدكّان، الذي علّمني أن الحياة لا تُقاس بما نملك، بل بما نؤجّله ونشاركه ونثق أنه سيعود إلينا. علّمني أن القرية يمكن أن تختبئ في غرفة صغيرة، وأن البشر، مهما ابتعدوا، يحملون داخلهم دائمًا مكانًا يشبه دكّانًا قديمًا، حيث كل شيء ممكن، وكل شيء مؤجّل، وكل شيء محفوظ.

زينب حازر

الولايات المتحدة الأميركية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى