الجنوب: رئة الوطن.
هو الجنوب حيث تعانق السهول الجبال، ويشتبك الزعتر مع العيزقان. ليؤلفا سويا سمفونية من الرائحة الفواحة التي تصيب من يشمها بخدر لذيذ… من لا يعرف تلك المساحة الجغرافية من الأراضي اللبنانية قد فاته الكثير الكثير…
نشأت وترعرعت في قرية ساحلية اسمها “الصرفند”. يعانق فيها الموج زفراتي حين أركض على شواطئها الرملية، وأعرف كل زاوية من زواياها المخفية… أذكر جيدا حين كنت ألعب طفلا في أزقتها، وأقصد مدرستها الابتدائية مشيا على الأقدام… تلفحني رياح تشرين، وأتبلل بمطر كوانين.
كنا نعيش حياة هادئة بين حقول القمح والبقدونس. نتنشق في الصباح الباكر رائحة النعناع البري الذي ينمو على جنبات السواقي، وتتغلغل رائحة زهر الليمون إلى رئاتنا “محدثا ما يشبه الاحتفالية” داخل أنوفنا المتذوقة إلى ذلك العبير الخطير الذي يحدث دويا هائلا داخل أدمغتنا… ويجعلنا نعاني من الإدمان عليه. ناهيك عن زهر (الأبو صفير) الذي يتحول إلى سائل سحري بعد أن يتبخر على نيران خفيفة داخل الكركة “الستانليسة” ويضيف نكهة فريدة على كؤوس الليموناضة التي ترطب حلوقنا في أيام الصيف الحارقة.
حين دعيت إلى المسير في وادي زبقين. اكتشفت داخله عالما قائما بحد ذاته.. وهالني ما رأيته من جمال، وما زال محافظا على عذريته في خلطة طبيعية فريدة تجعلك تقع في غرامها من اللحظة الأولى.. فتنسى للوهلة الأولى بأنك موجود داخل لبنان، وتشعر بأنك داخل إحدى الأمكنة السياحية العالمية. فالهدوء والهواء النقي داخل ذلك الوادي يجعلك ترفرف كطير بري يتنقل بين الأغصان، وهو يشدو ثملا من شدة فرحته.
ولا بد من التعريج على بلدة الريحان التي تبعد عن بيروت حوالي 90 كيلو متراً، وترتفع 1100 متر عن مستوى سطح البحر، تحيط بها أشجار الصنوبر، وتكثر على تلال الجبل نبتة الريحان المعروفة برائحتها الزكيّة والتي تحمل البلدة اسمها، وتقع على سفح البلدة مغارة طبيعيّة تحمل أيضاً اسمها.
أما مغارة الريحان فلها قصة مثيرة… هي اكتشفت بالصدفة في عام 1933 على يد رجل من أبناء البلدة، عندما كان يعمل على تكسير بعض الصخور في الجبل، سقطت منه المطرقة في حفرة كبيرة، نزل إلى الحفرة كي يحضر مطرقته، فوجد مدخل المغارة.. دخل ليكتشف وجود مغارة كبيرة، بعدها ساعده أصدقاؤه للخروج، وروى لهم ما شاهده داخل المغارة التي تبلغ مساحتها 330 متراً مربعاً.. ليبدأ شبان البلدة بالنزول إليها مستخدمين الشموع (للإنارة) وكانوا عندما يصلون إلى مكان تنطفئ به الشموع يعلمون أنه لم يعد هناك أوكسجين، فيعودون إلى خارجها بسرعة.
أدرجت تلك المغارة على الخريطة السياحة اللبنانية في عام 2016، وصارت مقصداً للناس من مختلف المناطق اللبنانية والسيّاح الأجانب خاصة أنها تقع في منطقة بيئية مميزة.
يؤكد خبراء الجيولوجيا أن عمر المغارة يُقدّر بملايين السنين، وقد مرّت بمراحل عديدة. في المرحلة الأولى تشكّل سطحها، في الثانية أُفرغ جوفها، بينما في المرحلة الثالثة تشكلت المنحوتات الصخرية جراء تسرب المياه من أعلى إلى أسفل.
أما إذا أردنا الاستزادة من المعالم الطبيعية الجنوبية فلا بد لنا من زيارة “محمية وادي الحجير” التي تعد من الوجهات الطبيعية والتراثية.
يقع وادي الحجير في جبل عامل بين أقـضية مرجعيون وبنت جبيل والنبطية. ونظراً لأهمية الوادي الطبيعية والتراثية، فلقد أعلن محمية طبيعية في العام 2010. تمتد هذه المحمية من الشمال إلى الجنوب، من مجرى نهر الليطاني في قاقعية الجسر أسفل مدينة النبطية، وصولاً حتى مثلث بلدة عيترون في قضاء بنت جبيل.
تتميز محمية وادي الحجير بمناظرها الطبيعية الجميلة الغنية بالغابات الكثيفة المتجسدة بأشجار السنديان العنيدة، وأشجار الزيتون العريقة التي قد تزيد أعمارها على ثلاثمائة عام.
الجنوب الحاضر دوما في قصائد الشعراء مثل: ةعصام العبد الله، شوقي بزيع، عباس بيضون… وأغاني فيروز، مرسيل خليفة وأحمد قعبور.
من يولد في الجنوب يصاب بما يشبه “الهوس العاطفي” بذلك المكان، ولا يمكن أن يميل قلبه إلا له.. وكما يقول جوزيف حرب “وأنت مشغول بقلوب يا تراب الجنوب”.
فالجنوب ليس فقط بقعة جغرافية تكتمل بها حدود الوطن، إنما هو الرئة التي يتنفس من خلالها (ذلك الوطن) وأي خلل فيها سيؤدي حتما إلى علل كثيرة سوف تصيبه.




