المُثقّف المُقاوم
علينا الاعتراف أنّنا حقًّا وسطَ معركةٍ لا شرف فيها للقتال، ولا قوانين ولا سقوف!..
إنّنا منذورون ربّما منذ قابيل الأوّل لنكون في جهة الضحيّة، والعالم كلُّه يمارسُ علينا القتل والتواطؤ وشهادة الزور.
وفي طبيعة البشر والمدائن اختلافُ النوايا، واختلالُ الجّهات، فنادرًا ما تجمعُ ساحاتُ القتل أو القتال سُكّان مدينة بأسرها، لأنّ اقتسام المهمّات في حالات الحرب يتمثّلُ في تراتبيّات وصفوف أولى ومتوسّطة وأخيرة داعمة.
وفي طبائع الحروب أن يكون هناك مُنتصرون وخاسرون، والمُعيب فعلًا أن يقف شعبٌ ما ، أيّ شعب في جهة الخاسرين قبل أن يُجرّب فاعليّة وحدته في المُواجهة، في مُقاومة المُعتدين على أرضه وكرامته منذ كانت هنالك أرضٌ وكرامات.
ربّما من أسوأ واقع الحال أن يواجهَ نصف بلدٍ اعتداءً سافرًا على بلدٍ بأكمله!..
أن يواجهَ بعضُ شعبٍ بعتاد قليلٍ أعتى جيش مُعاصرٍ في عتاده أحدث ما وصلت إليه تقنيّاتُ الشعوبِ المُتحجّرة من أدوات الفتك، وفي عديده شتاتُ جماعاتٍ أُوهِمَتْ أنّها صاحبة أرضٍ لا تمتلكها في الأصل، ولا ترتبط بها سوى بعباراتٍ وَرَدَتْ في كتابٍ تعتبره تلك الجماعات مُقدّسًا ومُنزّلًا في جبل الطور.
صادمٌ فعلاً أن يتعرّض بلدٌ كلبنان إلى عدوان فاتكٍ وتدميري يطال قُرى ومُدن جنوبه، وأن يكتفي البعض بالفُرجة على نتاج القتل من شُهداء وجرحى ونزوحٍ كبير.
ولو اكتفى هذا البعض بالفُرجة، لكُنّا أعطيناه العُذرَ ، فهذا البعض ربّما يكون مُسالمًا ويرفض الدّماء والحُروب..
لكن أن لا يكتفي بالفُرجة، ويتحوّل إلى داعمٍ للغازي، مُتآمر على الذين يُقاتلون الطاغوت، فهذا الأمر عين الخيانة لكلّ قيَم المُواطنيّة والإنسانيّة..
وكم صارت عبارة الإنسانيّة مُضحكة في عالم تفتك فيه الماكينة التدميريّة بغزّة وأهلها. لاتُفرّق بين مُجاهد وامرأة وطفل، وترتكب المجازر والإبادة المُنظّمة. والإنسانيّة التي يُفترض أنّها اليوم في الألفيّة الثالثة اكتملت عدلًا وقِيمًا، هي مُجرّد شاهدة زور، صامتة إلى درجة القيح.
تلك الإبادة في غزّة تنتقل إلى مناطق عديدة من لبنان، لاتُفرّق بين مبنى ومبنى وطفل وشيخ، وذاك البعض لا يكتفي بالصمت، بل يرفع الصوتَ لاستدعاء السّوطِ كي يُتابع جلد الطيّبين والضحايا.
وهنا أقف لأسأل عن دور المُثقّف اللبناني، لأسأل عن مُفكّري لبنان، وكُتّابه وشُعرائه الذين كانوا أيّام السلم يصدحون وترتفع أصواتهم بالنشيد الوطني!
أينكم اليوم والوطن يحترق؟
ألستم الهُداة والبوصلة؟
ألستم الرمز والأنموذج الأبهى للقيم اللبنانيّة والوطنيّة؟
إذا لم يكن لكم اليوم دورٌ في هذه المعركة، إيجابي وفاعل ومُقاوم ومُدافع عن لبنان واللبنانيّين فأنتم إمّا جُبناء أو مُتواطئون مع العتم.
لايهُمّ شكل المُقاومة ولا مرجعيّاتها ولا الزنود التي ترتفع بالرفض، ألا يكفي أنّها تُقاتل المُعتدي وتفتدي الحدود بأجساد وأرواح شبابها؟
ماذا لو لم يكن هناك مُقاومة.. لو لم يكن هناك مُقاومون.. هل ترضون أن نكون مُجرّد وطن يفتح أبوابه بكلّ بساطةٍ للمارقين؟
لا أطالبكم أن تُقاتلوا، بل أرجوكم أن تصمتوا عن ثقافة فرِّق تسُد، أو تبادروا لبثّ الروح الوطنيّة في المشهد المُعاصر الذي يُنذر بالكارثة.
تحدّثت في البداية عن اقتسام المهام في الحروب والكوارث..
فأنا غير قادرة على حمل السلاح، لهذا أعطي وقتي كلّه بلا استثناء لدعم وتقديم العون للنازحين.. وأستبدلُ قلمي بصفعة على وجوهِ اللائذين بالكراهيّة. وأجهر بصوتي وأصرخ في كلّ ساح: نحن أبناء الحقّ والأرض.
وأطالب المُثقّف بأن يكون مُقاومًا بقلمه كي يحمي شعبه ووطنه من الهزيمة.





