الموسيقى…عندما ترى بأذنك وتسمع بقلبك
قبل أن يشرع “موريس جار” الموسيقي الفرنسي بتأليف موسيقى فيلم “الرسالة”- إخراج مصطفى العقاد- الذي سجلت منظمة اليونيسكو موسيقاه كجزء من التراث الإنساني في العام 1995، توجه إلى إيران حيث استلهم من موسيقى الفيلسوف والكاتب والموسيقي “نور علي إلاهي”، وإلى مصر حيث كان يتجوّل في الشوارع يستمع إلى آذان “مصطفى اسماعيل” و”محمد رفعت” و”محمد صدّيق المنشاوي”، ونبش في تراث الدين وموسيقى الشعوب في هذه المنطقة كما في منطقة الشام، وخرج بتلك الموسيقى التصويرية الرائعة للفيلم الذي واجه حصارًا وهجومًا، ومنع في الدول العربية لجرأته في تأريخ نشأة الدين الإسلامي، والأهم التحريم للموسيقى.
هل فعلًا الموسيقى من المحرمات دينيًا؟ هل وظيفة الموسيقى تحريك المشاعر وإثارة الغرائز واللهو كما يصفها بعض علماء الدين؟ ماذا عن تاريخ الموسيقى؟ ما علاقتها بالحضارات والفلسفة والأدب والفنون؟ ماذا عن توظيفها في السياسة؟
الموسيقى هي فن ترتيب الأصوات في ألحان ضمن عناصر الانسجام والإيقاع في فترة زمنية محددة. وهي فن يبحث عن طبيعة النغم من حيث التوافق والتنافر أيضًا.
والموسيقى بالأصل هي كلمة يونانية وتعني سابقًا الفنون جميعًا، وأصبحت فيما بعد تطلق على لغة الألحان فقط.
تختلف الموسيقى عن غيرها من الفنون، فعلى الرغم من أنها تحمل هوية فردية إلا أن هويتها الجماعية أشمل، كونها لغة الحياة التي تبدأ من أصوات الطبيعة كصوت المطر والموج والعصافير وحفيف أوراق الشجر… إلى أصوات الأشخاص. استخدمت الشعوب القديمة الموسيقى بالأصوات للدلالة على أمكنة تواجدها الجغرافي، كما تستخدم الحيوانات نغمات صوتية للتواصل فيما بينها. إضافة إلى قيمتها في التعرف إلى أخلاق الشعوب وحضاراتهم.
أصل الموسيقى وتاريخها
يبدو أن تاريخ الموسيقى وأصولها معقدة إذا أردنا تحديدها منذ التصفيق الأول بالأيدي، والضربة الأولى بالقدم التي كانت الطريقة الأولى للتعبير عن الذات بالموسيقى أو بالصوت؛ ومع تطور هذا الفن تطورت المجتمعات وتقدمت. ويدل تاريخ الحضارات على الاهتمام بفن الموسيقى كالحضارة السومرية والحضارة المصرية القديمة والحضارة اليونانية، فعملت على دمجها في الحياة اليومية وفي الاحتفالات الدينية والترفيهية قبل فهم أهميتها الفنية وقيمتها الروحية بشكل كامل.
وعندما اعتقد العالم أن أصول الموسيقى تعود إلى الحضارة الإغريقية استطاع المؤرخون والعلماء إثبات أن أول من عرف الموسيقى والتدوينات الموسيقية هم المصريون الذين كانوا أول من عرف قائد الفرقة الموسيقية أو “المايسترو”. كما كانوا أول من دوَّن الأناشيد على الجدران، وبعدهم دوَّن الإغريق في زمن “فيثاغورس” الذي اخترع نظامًا جديدًا لتدوين الموسيقى وتلحينها.
الفلسفة والموسيقى
يقول أفلاطون “الموسيقى هي قانون أخلاقي يمنح الروح للكون ويمنح أجنحة للعقل، كما تساعد على الهروب إلى الخيال وتمنح السحر والبهجة للحياة” وذهب أكثر من ذلك: “الموسيقى ألغت احتمال أن تكون الحياة غلطة”.
أما الإمام “الغزالي” فيقول في كتابه “إحياء علوم الدين”: “إنَّ من لم تطربه أوتار العود فهو فاسد المزاج ليس له علاج”.
ترك لنا “الفارابي” الكثير من المؤلفات في الموسيقى منها: كتاب الموسيقى الكبير، كتاب في إحصاء الإيقاع، رسالة في قوانين صناعة الشعراء، كلام في الموسيقى، كلام في النقلة، وكتاب إحصاء العلوم الذي يتضمن جزءًا خاصًا عن الموسيقى.
أما “كتاب الموسيقى الكبير” فهو المتبقي حاليًا في التراث الموسيقي العربي وترجم إلى عدة لغات. يمنحنا فيه “الفارابي”، كمؤلف، صورة متكاملة عن البعد الفكري العميق للموسيقى كما يراها في فلسفته، فيقول: “من شأن الموسيقى أن تُنسي الإنسان تعبه لأنها تلغي إحساسه بالزمان، ولأن فطرة الإنسان تدعوه إلى التعبير عن أحواله وإلى إنشاد راحته، كانت هذه الترانيم والألحان والنغمات، تنشأ قليلًا في زمان بعد زمان، وفي قوم بعد قوم”.
كما وضع “أبو الفرج الأصفهاني” كتاب “الأغاني” الذي يُعتبر ديوان العرب إذ جمع أشتات محاسنهم في جميع الفنون والتاريخ.
أما فيلسوف التشاؤم “شوبنهاور” فلم يجد إلا الموسيقى “حبل النجاة الوحيد وطريقنا للخلاص من عالم الشر الذي يسيطر على الأرض”.
الأدب والموسيقى
لا شك أن علاقة وثيقة تربط الأدب والموسيقى، وهي علاقة بدأت منذ العصور القديمة عندما بات الإيقاع والوزن عناصر أساسية في تركيبة القصيدة الكلاسيكية. بمعنى آخر أصبحت الموسيقى جزءًا لا يتجزأ من بناء القصيدة؛ ومع الوقت صارت القصيدة مغناة ولها موسيقاها الخاصة كالموشحات الأندلسية مثلًا. ثم صار الشعر يُلقى رفقة الموسيقى بغية منحه بعدًا شعوريًا ووجدانيًا أعمق.
كذلك الأمر بين الأدب النثري والموسيقى فالعلاقة بينهما وطيدة، فكم من نص أدبي أو روائي حمل كتابة موسيقية من وصف المشاهد إلى تضمينه بعض الشعر أو الأغنيات أو وصف لموسيقى أو أصوات الطبيعة.
ولعل أبرز من كتب الرواية الموسيقية الكاتب الفلسطيني “جبرا ابراهيم جبرا” وخاصة في روايته “السفينة” التي مثلت ذروة التوظيف الموسيقي في الرواية العربية الحديثة.
الدين والموسيقى
جعل الإنسان من الموسيقى وسيلة للتعبير عما في داخله، فكانت جسر التواصل مع الآلهة ومناجاتها والتعبّد لها، فأقدم الألحان المكتشفة كانت ابتهالات دينية تختص بالتعبير عن الفقد والوجد ومواجهة الموت… كما حملت تساؤلات وجودية وقضايا فكرية.
تم استخدام الموسيقى وآلاتها في وقت مبكر في الكنائس، وفي بدايات المسيحية استخدم المسيحيون الموسيقى ذاتها الموجودة لدى اليهود، وبعد ذلك بدأت تبحث عن هويتها الخاصة إلى أن وجدتها في القرون الوسطى في الموسيقى الكلاسيكية، وكان “بيتهوفن” أشهر من وضع الموسيقى الدينية، أما موسيقى القداس فأشهر مؤلفيها “موزار”، ومن أشهر مؤلفات هذه الموسيقى “قداس الموت”.
وقبل ذلك بكثير، وتحديدًا في القرن الخامس الميلادي، ربط القديس “أوغسطين” بين الإيمان والموسيقى فقال: “صعدت الموسيقى إلى أذني وتوغلت الحقيقة إلى قلبي، وتفاقمت مشاعري من الولاء”.
في الدين الإسلامي تكتنف الضبابية الموقف من الموسيقى، فتارة بعض الآلات هي من المحرمات وتارة أخرى هو الكلام المغنَى، وتارة هو الهدف من وراء العمل المقدم. وبين تفسير الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة والتجويد والترتيل والأناشيد الدينية والموسيقى والابتهالات الصوفية… تكثر الاجتهادات وصولًا إلى التحريم بالمطلق.
أما مؤرخو الإسلام فنظروا إلى الموسيقى بوصفها علمًا قائمًا بحد ذاته كجميع الحضارات البشرية، فأفرز لها “ابن خلدون” في مقدمته فصلًا بعنوان “فصل في صناعة الغناء” تحدث فيه عن نشأة الغناء وتطوّر صناعته وآلاته في أقطار الحضارة الإسلامية. العصر العباسي هو عصر الإنتاج الموسيقي.
السياسة والموسيقى
لا شك أن السلطة التي تمتلكها الموسيقى مهدت لأن يكون لها دور في السياسة. فمنذ بدء التكوين لم تتوقف طبول الحرب مع ما يرافقها من أنغام وترددات للضربات صعودًا وهبوطًا لبث روح الحماسة والشجاعة والرغبة في قلوب المقاتلين وبث الرعب في نفوس الأعداء.
في عصر التنوير يتحدث الكاتب والفيلسوف الفرنسي “جان جاك روسو” عن قدرة الموسيقى على الإقناع بأيديولوجيات سياسية من دون استعمال العنف أو القوة. ويذكرنا “روسو” بالأغنية الشعبية السويسرية “رانز دي فاش”، وهي الأغنية التقليدية للرعاة التي منعتها السلطات السويسرية، لأنها تدفع الجنود إلى الحنين والبكاء والرغبة في العودة إلى الديار.
كما تدرك الأحزاب والأنظمة السياسية قدرة الموسيقى على التأثير، وتستخدمها في سبيل شحن الشعوب بأيديولوجياتها وقيمها. من الأمثلة البعيدة، وتحديدًا في عصر النهضة في أوروبا، نشأ في إيطاليا تيار موسيقي أوبيرالي بهدف وصف وشرح العمليات السياسية والتعبير عن استدامة وشرعية المجتمعات المنظمة، وبعد نجاح هذا التيار قامت الكنيسة بتبنّيه.
في الحرب العالمية الثانية أسس الاتحاد السوفياتي فرقًا موسيقية لتحفيز العسكر وتشجيعهم معنويًا على القتال؛ وهذا ما فعله النازيون في ألمانيا.
في عالمنا العربي الأمثلة كثيرة، كانت السيدة أم كلثوم من أشهر من غنى الأغاني ضمن هذا السياق، فغنت للملك فؤاد والملك فاروق، ثم للرئيس جمال عبد الناصر.
أما أغنية عبد الحليم حافظ “عدى النهار” التي غناها بعد نكسة الـ 67 ولحنها “بليغ حمدي” بنفس جديد يختلف عن النفس العاطفي – الرومانسي- الشعبي الذي اشتهر به، أدت دورًا في تخفيف حزن الشارع وإحباط الشعب. ثم شحذ “عبد الحليم حافظ” الهمم بعدها بأغنية “أحلف بسماها وترابها” – التي وضع ألحانها “كمال الطويل”- للوعد والتأكيد أن شمس النصر لن تغيب عن مصر والأمة العربية. إضافة إلى الأناشيد الوطنية التي تحظى برتبة عالية من الاحترام، وتكمن أهميتها في كونها هوية جامعة لها القدرة على خلق الشعور بالانتماء.
ولا يغيب عنا أن الموسيقى تستخدم أيضًا للتعبير عن مقاومة الأنظمة السياسية والاقتصادية والثقافية، وتعرضت في كثير من الأحيان إلى القمع والمنع… تحت طائلة المسؤولية، وفي لبنان الأمثلة كثيرة إبَان الفورة اليسارية، من موسيقى “زياد الرحباني” و”مارسيل خليفة” و”خالد الهبر”… وكثر غيرهم.
ويدرك السياسيون جيدًا هذا المكر الذي يكمن في دمج الموسيقى في حسابات الفكر السياسي. عندما أصبح الموسيقي البولندي الشهير “إغناسيو يان بادروفسكي” رئيسًا لبرلمان بلاده التقاه “كليمنصو” في أحد المؤتمرات في باريس، فسأله عمَّا إذا كان يمتّ بصلة قربى إلى الموسيقي الشهير أم هو مجرد تشابه أسماء! فأجابه “بادروفسكي”: أنا هو ذاك. فرد “كليمنصو”: أنت الفنان الذي يحتفل به العالم أجمع أصبحت سياسيًا؟! كيف بالله عليك انحدرت إلى هذا الدرك الوضيع؟!





