الله أستاذ النفس الأوّل
لما كان للجنّة وجود لولا الخوف من النّار. الله هو أستاذ النفس الأوّل، وهو من علّمنا الخوف. لا بأس إن خفت منه، ليس عليك أن تسقط عليه اللطف دائمًا. الله هو أن ترتعب، هو “وإِذَا البِحَارُ سُجِّرَت”، هو أن تمضي قلقًا من النار السّعير، وأن تخترع الجنّة ترياقًا لخوفك. الله هو أن تخاف، وأن تتأدّب في خوفك.
وإلّا كيف تُبنى العقائد الأكثر قوّةً؟ الأطراف الأقوى دائمًا هم الأكثر خوفًا في الواقع، هم الأكثر استضعافًا في الأرض. وإلّا كيف تحوّل “المحرومون” إلى “فائض القوّة”! هؤلاء نهضوا من الاستضعاف والخوف الدّائم، ولم يكسروا خوفهم طوال عقود.
الله هو أن تخاف، ولكن لا تظهر الخوف حتّى أمامه. غنِّ أمام السّعير، اصنع لها ألحانًا، وصلِّ للحرب سرًّا وأنت تردّ الباب على من قد يلحظون خوفك، وعلى عكس كلّ الشّعارات القديمة لا تسقط خوفًا…
***
-تلمّح لنا الحياة ببداية النضج المميت عند التّخلّي عن كلّ ما كان يحلم به الطّفل الّذي كنّاه، وعند التخلّي عن التفصيل لنحكي ونسرد ونكتب بالمكثّف والمختصر، وكذلك عندما نتخلّى عن السّؤال ونبدأ استنساخ الأجوبة.
***
-أصدق جملة عبّر من خلالها بليغ حمدي عن مدى اتّساع حبّه لوردة كانت “حبيبي يا أنا” من أغنية “الحُبّ اللي كان”(١٩٨٠). هذه الأغنية كانت وليدة لحظة وافق فيها بليغ على الانفصال عن وردة (وهو كلامٌ لم يؤكّده بليغ أو ينفيه). “حبيبي يا أنا”، جملة بسيطة جدًّا بل مستهلَكة، ولكن المزيج النابع من مقام العجم وأداء بليغ لهذه الجملة مرارًا في هذه البروفا وغيرها، لا يمكن أن يأتي أحد بمثله أبدًا.
***
-تركت جدّتي العجوز بيتها الذي سكنته منذ زواجها في العام 1988. تركَته بعد أن زوّجت أبناءها، وأجّرته لأسرة صغيرة لمّا تكتمل بعد. زرناه للمرّة الأولى بعد سنة كاملة، فوجدنا جدران البيت متشقّقة، يأكلها الوجد العتيق. بدا البيت خاليًا على الرغم من الساكنين الجدد، وروحهم التي تمشي ذهابًا وإيابًا بين الحيطان. ولكنّه تشقّق كأنّه مهجور ومسكون بالقلق العجيب. تتشقّق الجدران حين تفتقد ناسها. تنكسر الأماكن وقد تقع الزلازل الّتي لا يتدخّل بحدوثها الفعل الإلهي بل الحنين.





